0

معضلة التعددية الثقافية

فجأة وبدون مقدمات وقع العديد من الناس في تردد شديد بشأن استخدام مصطلح "المجتمع متعدد الثقافات". أو ربما يترددون في استخدامه في سياق الاستحسان، باعتباره هدفاً مرغوباً ينبغي أن يكون الواقع الاجتماعي قريباً منه على الأقل.

فقد أثبتت الهجمات الإرهابية التي شهدتها مدينة لندن في شهر يوليو مدى قوة وضعف هذا المفهوم. ومما لا شك فيه أن لندن حاضرة متعددة الثقافات. ومن البديهي أن هجوماً عشوائياً، مثل قنبلة توضع في نفق للقطارات، لابد وأن يضرب أناساً من ثقافات وخلفيات ومعتقدات متعددة.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

إن كنت جالسـاً، أو علـى الأرجح واقفاً في "الأنبوب" (كما يُطلَق على قطار الأنفاق في لندن) فلن تنقطع عنك الدهشة حين تدرك مدى السهولة التي يتحمل بها الأمهات اليهوديات والرجال المسلمون والشباب مـن غرب الهند ورجال الأعمال من جنوب آسيا نفس الظروف الـمُـجْـهِدة التي يعيش في ظلها الجميع، وكم السلاسة التي يحاولون بها التخفيف من تأثير تلك الظروف من خلال حرص كل منهم على التعامل مع الآخرين على نحو متحضر. إن هجمات الإرهاب هذه لم تُـظْـهِر فقط مدى حرص الناس على مساعدة بعضهم البعض، بل لقد أثبتت أيضاً أن المدينة بالكامل، بكل ما تحتويه من مقومات بشرية ممتزجة، تتمتع بروح عميقة مشتركة تتسم بالقدرة على الصمود والمرونة.

هذا هو الجانب الإيجابي للمجتمع المتعدد الثقافات. لكن المراقبين الحريصين قد لاحظوا دوماً أن هذه الروح تقتصر تماماً على المجالات العامة وعلى الحياة في تلك الأقسام من المدينة التي يتقاسمها الجميع. ولا تمتد هذه الروح بنفس الطريقة إلى بيوت الناس، ناهيك عن أساليب حياتهم في المجالات التي تتسم بالخصوصية.

هذا هـو السبب الذي جعل لندن تتعرض للجانب المظلم من المجتمع المتعدد الثقافات: حيث القشرة الخارجية للتعددية الثقافية رقيقة، وحيث لا يتطلب الأمر جهداً كبيراً لتحويل جماعة من الناس ضد جماعات أخرى كانت تعيش معها في سلام من حيث الظاهر.

ونحن ندرك ذلك لأنه يقبع في مركز القلب من تلك البيئة المتعطشة للقتل والتي نشبت مخالبها في البلقان في تسعينيات القرن العشرين. فلعقود من الزمان (وفي بعض الأحيان لفترات أطول كثيراً) كان الصرب والكروات ـ بل في الحقيقة الأرثوذكس والكاثوليك والمسلمون في "يوغوسلافيا" ـ يعيشون معاً كجيران. ولم يخطر ببال كثيرين أن كلاً منهم قد ينقلب ضد الآخر بهذه الصورة الوحشية من إراقة الدماء، والتي بلغت حداً يستحيل معه أن تحتوي البوسنة والهرسك على مجتمع متعدد الثقافات في يوم من الأيام. لقد وقعت تلك التجربة على أية حال، وهي تتكرر الآن بطريقة أخرى في بريطانيا.

إنه لمن الأهمية بمكان أن ندرك أننا لا نتحدث عن الرجوع إلى عداوات قديمة. فالنزاعات العرقية والثقافية التي نشهدها اليوم، والتي تبرز في كثيرٍ من الأحيان في هيئة عمليات إرهابية، لا تشكل ثوراناً جديداً لبركان كان قد خمد. بل إنها على العكس من ذلك تمثل ظاهرة حديثة على نحو خاص.

وحتى بالنسبة للإرهابيين أنفسهم، فإن مثل هذه الصراعات تشكل واحدة من عواقب التأثيرات المزعزعة التي فرضها التجديد. وتحت القشرة الخارجية للاندماج في بيئة متعددة الثقافات، سنجد أن العديد من الناس ـ وعلـى نحو خاص الشباب المنحدرين من أصول مهاجرة ـ قد ضلوا الطريق في عالم المتناقضات الذين يعيشون به. فمع أن مجتمع التقاليد الذي بلا مثيل والذي كان يطوقهم جميعاً قد ولى، إلا أنهم لم يصبحوا بعد مواطنين في عالم حديث يتسم بالنزعة الفردية. والقضية هنا لا تدور في المقام الأول حول فرص العمل المتاحة أو حتى الفقر، بل إنها تكمن في التهميش والتغريب، والافتقار إلى الشعور بالانتماء.

وفي ظل ظروف كهذه يبرز المظهر الأساسي للإرهاب على مسرح الأحداث. ويتخلص هذا المظهر فـي الدعوة إلى الكراهية من قِـبَل زعماء يعينون أنفسهم في أغلب الأحوال. وهذه الزعامات ليست بالضرورة دينية؛ ففي البلقان ومناطق أخرى سنجد أنهم من القوميين الذين ينادون ويبشرون بتفوق جنس واحد علـى الآخرين. إلا أن وصف "الوعاظ" ينطبق على تجار الكراهية هؤلاء لأنهم يلوذون على نحو ثابت لا يتغير بقيم عليا سعياً إلى تقديس أفعال إجرامية.

إن النجاح في تعبئة الطاقات الإجرامية بواسطة وعاظ الكراهية هؤلاء يشكل في حد ذاته ظاهرة حديثة. وهذه الظاهرة بعيدة كل البعد حتى عن تلك الادعاءات المثيرة للريبة مثل المطالبة بحق تقرير المصير لجماعات من الناس على أساس انتماءات عرقية. والحقيقة أن وعاظ الكراهية يستخدمون وسائل في غاية الحداثة والمعاصرة من أجل تعزيز ودعم سلطانهم الشخصي وخلق بيئة من الخراب والدمار حولهم.

Fake news or real views Learn More

لكن مقاومة هؤلاء الوعاظ لا تتأتى من خلال شن حروب عسكرية، أو حتى حروب بلاغية مثل "الحرب ضد الإرهاب". ومما لا شك فيه أن جزءاً من الإجابة يكمن في تعيين وتحديد ذلك العدد القليل نسبياً من الناس الذين تربى لديهم الاستعداد لاستخدام حياتهم في تدمير حياة الآخرين دون تمييز أو غرض واضح. لكن القضية الأكثر أهمية تتلخص في تحديد هوية وعاظ الكراهية وإيقاف تحريضهم القاتل. وهذا هو السبب الذي يضفي أهمية شديدة علـى ضرورة اعتقال ومحاكمة شخص مثـل رادوفان كرادزيتش الذي لعـب دوراً هائلاً في تحريض روح الغضب القاتل في نفوس العديد من صرب البوسنة. ولهذا السبب أيضاً تتجلى ضرورة منع الوعاظ الإسلاميين من ذوي النزعة القتالية من بث روح الكراهية.

ومن وراء هذه المهمة الدقيقة ـ والمحدودة من حيث المبدأ ـ تظل الحاجة قائمة إلى تعزيز ودعم مجالات القيم المشتركة والتعاون بين المجتمعات التي ستظل متعددة الثقافات على الرغم من كل شيء. إنه لهدف صعب المنال، ولا ينبغي لنا أن نتناوله بسذاجة. فالاختلافات بين الناس لن تزول، ولا ينبغي لها أن تزول؛ بل إن ضمان إمكانية اعتماد كل مواطن على أخيه المواطن يتطلب منا أن نسعى سعياً حثيثاً نحو نشر ودعم الثقة المدنية التي نراها في المجالات والمحافل العامة.