0

تحويل أوروبا إلى الديمقراطية

إن مشروع توحيد أوروبا لم يسبق له مثيل في التاريخ. لقد عاشت أوروبا طيلة الألفية الماضية في توازن غير مستقر كان السبب وراء ولادة كل إمبراطورية عظمى هيمنت على العالم وأخضعته طيلة القرون الخمسة الماضية. كان عدد الدول الرئيسية التي شنت الحروب فيما بينها ثماني أو أكثر، وكانت الحروب تنشب كلما هددت إحدى هذه الدول بالسعي إلى فرض سيادتها على الآخرين وتأمين هذه السيادة. وكانت أوروبا هي التي قدمت إلى البشرية آخر حربين عالميتين، ولا ينبغي أن ننسى ما أضافته أوروبا إلى قائمة الفظائع من ابتكارات بشعة في فن القتل، كالمحرقة ومعسكرات الاعتقال.

وبعد مرور ستين عاماً على آخر حرب ـ وهي قطرة في بحر التاريخ ـ أصبحت خمس وعشرون دولة أوروبية، تشمل كافة دول القارة تقريباً، متحدة في ظل مشروع مشترك يضمن لأوروبا سلاماً نهائياً دائماً. وإن تحويل أوروبا إلى مؤسسة كبيرة يجعل نشوب الحرب أمراً مستحيلاً ويشجع على التوفيق وتسوية الخصومات والنزاعات: بين فرنسا وألمانيا، بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا، وقريباً بين المجر ورومانيا. وفي ذات الوقت، فإن التكامل الاقتصادي والسياسة التجارية المشتركة يجعلان من الاتحاد الأوروبي منطقة يعمها الرخاء والازدهار وتتمتع نسبياً بالحماية في مواجهة الأزمات المالية المعاصرة.

أما أولئك الذين راودتهم الأحلام بشأن أمة فيدرالية واحدة تؤكد على وجود سياسة خارجية قوية تساندها قوات مسلحة قوية، فربما أصابتهم الهيئة الحالية للاتحاد الأوروبي بخيبة الأمل. ولكن من الخطأ أن نركز أكثر مما ينبغي على مواطن الضعف في الاتحاد الأوروبي وأن نتجاهل الحقيقة الرائعة الماثلة أمامنا. ومع أن أوروبا عبارة عن مساحة من الأرض تخضع لحكم قانون مشترك، ولا تعبر تماماً عن إرادة سياسية متكاملة، إلا أنها في طريقها الآن لكي تصبح أعظم قوة اقتصادية في العالم.

إنه لحدث تاريخي ذو دلالة عميقة هائلة. لكن هذا لم يسكت الأفواه التي تتناول الاتحاد الأوروبي بالانتقاد، والتي تتهمه بأنه وليد لموظفين تكنوقراط غير منتخبين وحكومات تتفاوض على معاهدات من وراء ظهور شعوبها.