42

جنون الشك والاقتصاد

لندن ــ تُرى لماذا تتحول المبارزات الاقتصادية الرفيعة المستوى بسرعة بالغة إلى هجمات على شخوص؟ لعل المثال الأكثر شهرة مؤخراً كان الحملة التي شنها بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل ضد الخبيرين الاقتصاديين كارمن راينهارت وكينيث روجوف، حيث انتقل سريعاً من الانتقاد لخطأ ارتكباه في أحد أبحاثهما إلى اتهامات تتعلق بالتزامهما بالشفافية الأكاديمية.

وبالنسبة لمن يعرفون هذين الخبيران الرائعان في مجال الاقتصاد الكلي الدولي، كما أعرفهم أنا، فمن الواضح أن هذه الادعاءات لابد أن تُنبَذ سريعا. ولكن هناك السؤال الأكثر عمقاً حول الأسباب التي جعلت مثل هذا النمط المبتلى بجنون الشك وانعدام الثقة بارزاً إلى هذا الحد.

يرجع جزء من الإجابة على هذا التساؤل إلى حقيقة مفادها أن الاقتصاد علم غير دقيق، حيث توجد استثناءات لكل نمط تقريباً من أنماط السلوك التي يتعامل معها خبراء الاقتصاد باعتبارها من الأمور الـمُسَلَّم بها. على سبيل المثال، يتوقع خبراء الاقتصاد أن يكون ارتفاع أسعار سلعة ما من شأنه أن يقلل من الطلب عليها. ولكن طلاب الاقتصاد سوف يتذكرون بلا أدنى شك تعرفهم في وقت مبكر من دراساتهم على "السلع التي يرتفع ثمنها كلما زاد الطلب عليها"، والتي تخالف النمط المعتاد. فعندما تصبح الفطائر المكسيكية أكثر تكلفة، قد يتناول العامل المكسيكي الفقير المزيد منها، لأنه سوف يضطر الآن إلى خفض استهلاكه من الأطعمة الأكثر تكلفة مثل اللحوم.

وتحدث مثل هذه "المخالفات" في أماكن أخرى أيضا. فالعملاء كثيراً ما يزيد تقديرهم لسلعة ما عندما يرتفع سعرها. ولعل أحد الأسباب وراء هذا يكمن في قيمتها كمؤشر لأمور أخرى. فالساعة الميكانيكية المصنوعة يدوياً والباهظة الثمن قد لا تنبئك بالوقت بدقة أكبر من أي ساعة كوارتز رخيصة الثمن؛ ولكن لأن قِلة من الناس يمكنهم تحمل ثمن ساعة ثمينة، فإن شراءها يشير إلى أن مالكها ثري. وعلى نحو مماثل، يندفع المستثمرون إلى شراء الأسهم التي ارتفعت قيمتها لأنها اكتسبت "زخما" للمزيد من الارتفاع.