0

في إقناع أوروبا بفتح حدودها

لقد آن الأوان كي يعترف ساسة أوروبا لناخبيهم بأن حكوماتهم لم يعد بوسعها منع الناس من الانتقال عبر الحدود. فعلى الرغم من كل الجهود المبذولة من أجل بناء أوروبا حصينة ينجح ما يزيد على المليون من الأجانب سنوياً في التحايل على دفاعاتها أو الالتفاف حولها؛ ويدخل بعض هؤلاء الأجانب سراً، إلا أن أغلبهم يتجاوزون تأشيرات الإقامة ويعملون بصورة غير مشروعة. وحتى إذا ما أصبحت أوروبا دولة بوليسية فلسوف يظل بوسع المهاجرين أن يمروا عبر حدودها: فالوثائق يمكن تزويرها أو سرقتها، والتأشيرات يمكن تجاوز المدة التي تسمح بها، بل ويمكن تهريب الناس إلى الداخل ورشوة المسئولين. ورغم أن السياسات الصارمة قد تنجح في تحجيم الهجرة بعض الشيء إلا أنها تدفعها إلى قنوات سرية في أغلب الأمر.

يترتب على ذلك تكاليف باهظة. فبعيداً عن الأزمة الإنسانية، وبينما يغرق الآلاف في كل عام أثناء محاولاتهم الوصول إلى أوروبا ويلقى القبض على آلاف غيرهم، نضطر إلى إنفاق مبالغ هائلة على النقاط الحدودية والتكاليف الإدارية البيروقراطية، فضلاً عن مكافحة صناعة تهريب البشر الإجرامية، ومحاربة اقتصاد الظل الذي يتعرض المهاجرون العاملون وفقاً لقواعده للاستغلال، ناهيك عن انتهاك قوانين العمل والتهرب من دفع الضرائب. بالإضافة إلى ذلك فقد تفاقمت حالة انعدام الثقة في الساسة الذين يعجزون عن الوفاء بوعودهم الخاصة بمنع الهجرة، وما يصاحب ذلك من النظر إلى المهاجرين باعتبارهم خارجين على القانون وليسوا مجرد أناس يسعون إلى كسب أرزاقهم، وإساءة معاملة اللاجئين بهدف ردع الراغبين في العمل من التقدم بطلبات اللجوء.

إن هذه المشاكل ليست ناشئة عن المهاجرين، بل إنها ترجع في الأساس إلى الضوابط التي نفرضها على الهجرة. وهذه الضوابط ليست مكلفة وقاسية فحسب، بل إنها أيضاً غير فعالة وهدّامة. وبدلاً من حمايتنا، فإن هذه الضوابط تضعف القانون والنظام، تماماً كما كان حظر الخمور في الولايات المتحدة سبباً في إلحاق الضرر بالمجتمع الأميركي على نحو ما كان تعاطي الخمور ليتسبب في مثيله قط. وعلى هذا فإن الحكومات البرجماتية العملية لابد وأن تسعى إلى تشريع وتنظيم الهجرة بدلاً من مكافحتها.

إن المهاجرين ليسوا جيشاً من الغزاة؛ بل هم في أغلب الأحوال مجرد أناس يسعون إلى حياة أفضل، ويجتذبهم إلى أوروبا ذلك الطلب الضخم على العمالة اللازمة لشغل الوظائف المتدنية التي تعتمد عليها مجتمعاتنا المتزايدة الشيخوخة والمتنامية الثراء، إلا أن مواطنينا يحجمون عن شغل مثل هذه الوظائف نتيجة للتعليم المتزايد الجودة والظروف المعيشية المرتفعة التي توفر لهم المزيد من وسائل الراحة والترف.