0

حدود الليبرالية

حين يتصل الأمر بكيفية تنظيم الاقتصاد وما إذا كان من الواجب تنظيمه، فإن المجتمعات الغربية تعتمد في تقرير ذلك على تاريخ طويل في التعامل مع النظرية الليبرالية. ولكن حين يتعلق الأمر بالهجرة فلن تجد المجتمعات الغربية في تقاليدها الليبرالية ما يشير إلى كيفية التعامل معها. ونتيجة لهذا فإن أغلب الحوار بشأن الهجرة تهيمن عليه أصوات متعصبة، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة. وأشد هذه الأصوات رسوخاً وإصراراً تنتمي إلى ساسة يبذلون الوعود بحماية الكمال الثقافي للوطن ضد انحلال الأجنبي وشروره.

إن كراهية الأجانب عبارة عن رد فعل متعصب من جانب اليمين إزاء الهجرة، إلا أن التعددية الثقافية تمثل إلى حد كبير نفس رد الفعل المتعصب من جانب اليسار. ذلك أن العديد من منظري التعددية الثقافية، على الرغم من تمسكهم بالانفتاح على المهاجرين، إلا أنهم ليسوا على نفس القدر من الالتزام حين يتصل الأمر بانفتاح المهاجرين على أوطانهم الجديدة. فهم يرون أن القادمين الجدد، الذين يجدون أنفسهم في بيئة معادية لأساليبهم في الحياة، لابد وأن يحافظوا على الممارسات الثقافية التي جلبوها معهم، حتى وإن كانت بعض هذه الممارسات ـ كزواج الصالونات، والتفرقة على أساس النوع، والتلقين العقائدي على سبيل المثال ـ تتناقض مع المبادئ الليبرالية. وتحتل مسألة بقاء الجماعة مرتبة أعلى أهمية من الحقوق الفردية في الحسابات الأخلاقية التي يعتمد عليها العديد من أنصار التعددية الثقافية في هذا السياق.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

من بين السبل الممكنة للحفاظ على الالتزام بالانفتاح في التعامل مع المسألة المحيرة المزعجة المتعلقة بالحدود الوطنية، أن نعترف بأن العالمية هي في الواقع طريق ذو اتجاهين. كان إيمانويل كنت يقول إن الظروف التي نجد أنفسنا بداخلها لابد وأن نحكم عليها دوماً على ضوء الظروف التي كنا قد نجد أنفسنا بداخلها بالصدفة.

من هذا المنظور، ليس من العدل أن يعيش شخص ما، تصادف أنه ولِد في الولايات المتحدة، عمراً أطول وحياة أفضل من شخص آخر ولِـد في كينيا. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لابد وأن تفتح حدودها أمام كل قادم من كينيا. إلا أنه لا يعني أيضاٍ أن قاطن مدينة نيويورك يجوز له أن يسلم بأن أياً من المزايا التي قد يتمتع بها مقارنة بقاطن نيروبي ترجع إلى مصادفة الميلاد في نيويورك وليس الجدارة والاستحقاق. ومن هذا المنظور الذي يطرحه كنت للعالمية فإن أقل ما يتعين على المواطن الأميركي أن يقوم به هو أن يرحب بعدد معين من المهاجرين القادمين من أفريقيا.

إلا أن اعتناق العالمية يعني أيضاً أنه بمجرد أن يعترف المجتمع بأعضاء جُـدد بين صفوفه، فإن هؤلاء الأعضاء الجدد لابد وأن يلتزموا بالانفتاح على مجتمعهم الجديد. والحقيقة أن أنصار التعددية الثقافية لا يبدون أي اهتمام بدعم هذا الجانب من صفقة العالمية، إلا أن أنصار الليبرالية لابد وأن يولوا هذا الجانب أشد الاهتمام.

قد يفهم المرء الأسباب التي تدفع المهاجرين، الذين يعيشون في دولة أجنبية قد يرون أنها معادية لهم، إلى اختيار الانغلاق على أنفسهم داخل مجتمعاتهم، والأسباب التي قد تدفع بعد الدول المضيفة ـ كفرنسا على سبيل المثال ـ إلى التسرع في مطالبة هؤلاء المهاجرين بتقبل أساليب الحياة الجديدة. إلا أن كل محاولة لممارسة حياة منغلقة داخل مجتمع مفتوح محكوم عليها بأن تؤدي إلى تدمير الذات في النهاية، وهذا ليس بالأمر الذي يتعين على أي مجتمع ليبرالي أن يشجعه.

في العام 2006 شهدنا مثالاً واضحاً لصفقة العالمية، حين تحدث وزير خارجية بريطانيا السابق جاك سترو عن قلقه بشأن النقاب (غطاء الرأس الكامل) الذي يضعه بعض النساء المسلمات. ولقد دافع سترو عن حق المرأة في ارتداء غطاء رأس أقل حجباً؛ إلا أنه أكد أيضاً أن شيئاً ما لابد وأن يكون شديد البعد عن الصواب حين لا يستطيع المرء، أثناء محادثته مع شخص آخر، أن يتواصل مع ذلك الشخص وجهاً لوجه.

كان سترو يريد أن يقول إن ارتداء النقاب هو بمثابة اتخاذ القرار بالانغلاق على النفس والبعد عن كل المحيطين. وهو لم يزعم بذلك الرأي أن المسلمين لا ينتمون إلى بريطانيا العظمى، ولكنه في ذات الوقت لم يتفق مع الحجة التي يسوقها أنصار التعددية الثقافية والتي تبيح للمسلم أن يرتدي أي ملبس تقليدي يرى أنه يعبر عن مشاعره الثقافية والدينية على أفضل وجه. كما أنه لم يطالب باستيعاب المهاجرين بشكل كامل للتقاليد البريطانية. بل إن سترو ، ومن خلال مثال اختاره بعناية، كان يصور لنا ماذا يعني أن ننفتح على الآخرين بينما نتوقع الانفتاح من الآخرين في المقابل.

زعم بعض الناس أن سترو قد تدخل في الحرية الدينية حين اقترح على النساء المسلمات ماذا ينبغي عليهن أن يرتدين من ملابس. الحقيقة أن القيم الليبرالية تتضارب أحياناً فيما بينها. فقد أباح الإسلام، على سبيل المثال، أشكالاً معينة من تعدد الزوجات، إلا أنه لا يجوز لأي مجتمع ليبرالي أن يوسع من الحريات الدينية على النحو الذي قد يهدد التزامه بالمساواة بين الجنسين.

من حسن الحظ أن المثل الذي ضربه سترو لا يفرض مثل هذه المعضلة الحادة. ذلك أن ارتداء النقاب، كما أشار، لم يأت بأمر من القرآن، وهو يمثل خياراً ثقافياً وليس واجباً دينياً. وما دامت هناك سبل أخرى متاحة أمام المرأة المسلمة لتغطية رأسها، فإن الاتفاق على عدم ارتداء النقاب يشكل طريقة للتعبير عن الانتماء إلى عضوية المجتمع الليبرالي في مقابل أدنى قدر من التكاليف فيما يتصل بالتزامات المرء الدينية.

إن المسألة بالنسبة لليبراليين لم تكن قط ما إذا كان علينا أن نفتح الحدود بالكامل أو نغلقها بالكامل؛ فالمجتمع المفتوح أمام الجميع لن يمتلك من الحقوق ما يستحق أن يحاول حمايته؛ أما المجتمع المغلق في وجه الجميع فلن يمتلك من الحقوق ما يستحق أن يحاكيه الآخرون. وإذا كنا نبحث عن مبدأ مجرد نهتدي به حين نتعامل مع مساءل الهجرة، فإن الليبرالية عاجزة عن تقديم مثل هذا المبدأ.

Fake news or real views Learn More

إلا أن المجتمع الليبرالي ينبغي أن يسمح للناس بالدخول إليه وأن يفرض في نفس الوقت بعض الشروط الاستثنائية التي يتعين عليه أن يمنع بعض الناس من الدخول إليه إذا ما توفرت فيهم هذه الشروط، بدلاً من منع الناس جميعاً من الدخول ووضع بعض الشروط الاستثنائية التي يسمح لبعض الناس بالدخول إليه إذا ما توفرت فيهم تلك الشروط. فضلاً عن ذلك فإن المجتمع الليبرالي لابد وأن ينظر إلى العالم باعتباره مكاناً يعج بالاحتمالات والإمكانات، التي على الرغم من أنها قد تهدد أساليب الحياة المسلم بها، إلا أنها ترغم الناس على التكيف مع تحديات جديدة بدلاً من محاولة حماية أنفسهم ضد الأجنبي والمجهول.

في النهاية، لا ينبغي للمجتمع الليبرالي أن يركز على ما نستطيع أن نقدمه للمهاجرين، بل على ما يستطيع المهاجرون أن يقدموه لنا. إن هدف الانفتاح الذي تطرحه مسألة الهجرة ضمناً، يستحق أن نحاول الحفاظ عليه وحمايته، وبصورة خاصة إذا ما كانت المطالب والوعود المترتبة على هذا الهدف تنطبق عبر الحدود.