0

خريف القومندان

لا أحد غير جابرييل جارسيا ماركيز يستطيع أن يصور حالة الترقب في انتظار موت فيدل كاسترو . ففي روايته "خريف البطريرك" يصور على نحو في غاية البراعة الفساد الأخلاقي، والشلل السياسي، والسأم الوحشي الذي يخيم على مجتمع ينتظر موت ديكتاتور طال أمد حكمه.

مما لا شك فيه أن رحيل القومندان (القائد الزعيم) فيدل كاسترو عن السلطة لن يحدث إلا لأسباب بيولوجية بحتة، والصور القليلة التي ظهرت له منذ سقط مريضاً في العام الماضي تؤكد بكل وضوح أن حالته البيولوجية في تدهور مستمر. وحين تأتي النهاية فإن التغيير في كوبا قد لا يقل حجما عن أي تغيير صاحب نهاية كبار الطغاة أثناء القرن الماضي.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

كان ستالين ، و فرانكو ، و تيتو ، و ماو متشابهين إلى حد كبير في أساليبهم ومناهجهم. إلا أن رحيلهم عن المشهد كان مختلفاً للغاية في أكثر الأحوال، وهذه الاختلافات من شأنها أن تصوغ حياة المجتمعات لأعوام وعقود من الزمان.

ولنتأمل معاً الاتحاد السوفييتي. ففي التاسع من مارس/آذار 1953 توقف كل شيء بين خليج فنلندا وبحر بيرنج؛ وكذلك كانت الحال في وارسو، وبودابست، وبراغ، وبرلين الشرقية. وفي بكين انحنى ماو تسي تونج شخصياً أماما تمثال ضخم لرئيس الاتحاد السوفييتي جوزيف ستالين . وفي كافة أنحاء الإمبراطورية الشاسعة التي حكمها ستالين كانت الجماهير الحاشدة الحزينة تبكى على نحو يكاد يكون هستيرياً.

وعلى الرغم من كل ذلك بدأ مصطلح "الستالينية" خلال بضعة أيام ينمحي من القاموس السوفييتي، وبعد ثلاثة أعوام أدان جدي نيكيتا خروشوف ممارسات ستالين في "خطابه السري" الشهير الذي ألقاه أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي. لم تدم طويلاً فترة تخفيف التوتر التي بدأها خروشوف في أعقاب ذلك الخطاب، إلا أنه وللمرة الأولى في تاريخ الاتحاد السوفييتي كانت احتمالات التغيير قائمة آنذاك ـ وهي الفرصة التي استغلها ميخائيل جورباتشوف في العام 1985.

أما موت المارشال جوزيف بروس تيتو فقد أدى إلى تغيير من نوع آخر. فقد فرض حكمه الشخصي لعقود من الزمان وحدة زائفة على يوغوسلافيا. وفي أعقاب موته في العام 1980 بدأت تلك الوحدة الاصطناعية في التفكك وانتهى الأمر إلى حروب الإبادة العرقية في البوسنة، وكرواتيا وكوسوفو أثناء تسعينيات القرن العشرين.

إلا أننا لا نستطيع أن نقول إن كل حكم دكتاتوري طويل الأمد ينتهي إلى التفسخ والانحلال. فقد سمح موت ماو للرئيس دينج زياوبنج بالعودة إلى الحكم بعد الخزي والمنفى الداخلي. ولقد سارع دينج إلى التعامل مع "عصابة الأربعة" من ورثة ماو ، وفي خلال أعوام قليلة نجح في فتح اقتصاد الصين على نحو أدى إلى ثورة رأسمالية أسفرت عن تحويل الصين بصورة تامة ـ وناجحة ـ وهو ما عجزت عنه ثورة ماو الثقافية. لقد ظل الحزب الشيوعي ممسكاً بزمام السلطة حتى الآن، وما زالت صورة ماو تشرف على ميدان السلام السماوي، إلا أن الحزب وصورة ماو لا يشكلان أكثر من مجرد بقايا الأفكار والمثل التي ألقي بها في واقع الأمر إلى مزبلة التاريخ.

كما أفلتت أسبانيا أيضاً من الدمار حين انهار حكم الجنرال فرانكو الدكتاتوري الفاشستي في أعقاب موته. وهنا نستطيع أن ننسب بعض الفضل إلى الدكتاتور القديم فرانكو الذي قدم لأسبانيا قبيل وفاته مباشرة الأساس الذي سمح لها ببناء نفسها من جديد، وذلك حين أعاد تأسيس النظام الملكي بتنصيب خوان كارلوس ملكاً للبلاد. ويبدو أن فرانكو لم يدرك أن ما سيبنيه خوان كارلوس ، بمساعدة أدولفو سواريز الموظف البيروقراطي الشاب البارع من عصر فرانكو ، هو أسبانيا المعاصرة الديمقراطية التي نراها اليوم.

لم يكن من قبيل الصدفة أن تدار الدول الشيوعية عادة بواسطة زعماء متقدمين في العمر، وأن تدار الدول الديمقراطية بواسطة رجال ونساء أصغر سناً. وهذا الفارق يشكل قدراً كبيراً من الأهمية. فالزعماء المتقدمين في العمر يستطيعون أن يترأسوا بنجاح بلداناً سهلة القياد ولا تحتاج إلى إعادة نظر جذرية في السياسات التي تنتهجها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. هناك بعض الاستثناءات لهذه القاعدة بطبيعة الحال ـ تشرشل ، و أدينو ، و دينج ، و ريجان ـ إلا أن الدول لا تستطيع الاعتماد على الحظ والصدفة في الحصول على حاكم غير عادي. والحقيقة أن الزعماء الأكثر شباباً أكثر قدرة على التكيف مع التحولات والتغيرات التي تصاحب الأوقات العصيبة.

إن المنافسة السياسية تجعل من الضروري بالنسبة لكل الساسة، أياً كانت أعمارهم، أن يظلوا متيقظين، وأن يتوقعوا المشاكل الجديدة، وأن يفتحوا صدورهم للأفكار الجديدة القادرة على التعامل مع هذه المشاكل. ولا أحد يستطيع أن يحصن نفسه بمنصبه الرفيع الذي لا ينال منه إلى الموت أو السأم. كما أن الأنظمة التي تعتمد على حكم الحزب الواحد، أو حكم الدكتاتور الأوحد الذي يتمتع بشخصية كاريزمية، أو على مزيج من الاثنين، كما كانت يوغوسلافيا تحت حكم تيتو ، تشكل ضماناً أكيداً لتفريخ العقليات المتصلبة والحكومات الجامدة الخاملة.

إذاً كيف سيكون مآل كوبا بعد رحيل فيدل ؟

يذهب العديد من المراقبين إلى تصوير راؤول كاسترو ، أخي فيدل الأصغر وخليفته المعين، باعتباره رجلاً برجماتياً ـ أو "كاسترو العملي". فحين فقدت كوبا المساعدات السوفيتية السخية في أوائل التسعينيات، كان راؤول هو الذي أدرك أن بقاء النظام يتطلب إصلاحات اقتصادية، فمارس الضغوط من أجل السماح بإعادة فتح الأسواق الزراعية الخاصة من أجل دعم إنتاج الغذاء ودرء خطر المجاعة عن البلاد.

إلا أن راؤول هو نفس الرجل الذي ظل يمثل لأعوام عديدة، باعتباره رئيساً لجهاز الأمن الداخلي في كوبا، أصابع نظام اليد الحديدية، الذي كان مسئولاً مسئولية مباشرة عن سجن ـ وفي كثير من الأحيان تعذيب ـ الآلاف من المنشقين. وعلى هذا فإن أفضل ما يستطيع المرء أن يتوقعه بالنسبة لكوبا يتلخص في التجربة الليبرالية الروسية التي وأدها الحرس القديم في مهدها.

Fake news or real views Learn More

فضلاً عن ذلك، فبدعم من الحلفاء في الدول الغنية بالنفط مثل رئيس فنزويلا هوجو شافيز ـ وبفضل الاكتشافات الحديثة لاحتياطيات كبيرة من النفط الخام على ساحل كوبا ذاته ـ فقد يتبين أن تنفيذ الإصلاحات أصبح أقل إلحاحاً. وإذا ما حدث ذلك فقد يسعى راؤول إلى التشبث بالنظام المتحجر الذي ساعد في بنائه وحمايته بمثل هذه الوحشية.

إلا أن راؤول كاسترو أيضاً رجل متقدم في العمر، وهذا يعطينا الأمل في بروز زعيم مثل دينج ، أو ربما سواريز من بين حطام نظام فيدل في نهاية الأمر. ولكن في الوقت الحالي، ما زال المسئولون الشيوعيون الأكثر شباباً في الحزب، مثل وزير الخارجية فيليب بيريز روكيه ، ينتهجون سياسة إيديولوجية متشددة، حتى أن العديد من أهل كوبا يشبهونهم بزعماء طالبان. وإذا ما تمكن هؤلاء من السيطرة على الحكم، فقد تواجه كوبا درساً طويلاً آخر في البيولوجي.