4

عصر الديمقراطية الاستبدادية

موسكو ــ في الآونة الأخيرة اهتزت أركان العالم بفعل تغيرات هائلة يكاد يكون إحصاؤها مستحيلا: فالأزمة الاقتصادية الجارية تعمل على التعجيل بتدهور الحكومة الدولية والمؤسسات الدولية العابرة للحدود الوطنية، ويحدث هذا بالتزامن مع تحول هائل في القوة الاقتصادية والسياسية نحو آسيا. وبعد مرور أقل من ربع قرن منذ أعلن فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ"، يبدو أننا وصلنا إلى فجر عصر جديد من الاضطرابات الاجتماعية والجيوسياسية.

فعلى نحو درامي اجتاح بلدان العالم العربي ربيع ثوري، ولو أنه يتحول بسرعة إلى شتاء بارد. ذلك أن أغلب الأنظمة الجديدة تجمع بين الاستبداد القديم والإسلاميين، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الركود الاجتماعي والاستياء وعدم الاستقرار.

بيد أن الأكثر لفتاً للنظر هو تلك المظاهرات الاجتماعية (والمعادية للمجتمع) التي تنتشر بسرعة هائلة في مجتمعات الغرب الغنية. وترجع هذه الاحتجاجات إلى سببين رئيسيين.

فأولا، سجل التفاوت الاجتماعي نمواً جامحاً في الغرب على مدى ربع القرن الأخير، ويرجع هذا جزئياً إلى اختفاء الاتحاد السوفييتي، ومعه التهديد بالشيوعية التوسعية. فلقد أرغم شبح الثورة النخب الغربية على استخدام قوة الدولة لإعادة توزيع الثروة وتعزيز نمو ولاء الطبقات المتوسطة. ولكن عندما انهارت الشيوعية في معقلها الأوراسي، مارس أغنياء الغرب الضغوط الرامية على دحر دولة الرفاهة على اعتقاد منهم بأنهم لم يعد لديهم ما يخشونه، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع مستويات التفاوت بسرعة. وكان هذا مقبولاً طالما ظلت الكعكة الشاملة تتوسع، ولكن الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008 أتت لتنهي ذلك التوسع.