1

أسطورة الإنجاز

نيويورك ـ في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، كانت الصحافة الأميركية متخمة بالبيانات عن سعادة النساء. فزعم ماركوس باكانجهام ، وهو مستشار في مجال الأعمال التجارية، أن البيانات تؤكد أن النساء أصبحن أقل سعادة على مدى السنوات الأربعين الماضية. فالمدونات على شبكة الإنترنت، والمجلات الإخبارية، وبرامج المقابلات التي تذاع نهاراً، كلها تعرب عن أساها وتفجعها إزاء فكرة مفادها أن الحركة النسائية تساهم في الواقع في جعل النساء أكثر حزناً ـ رغم كل هذه الحرية وكل هذه الخيارات.

الواقع أن النساء أخبرن الباحثين الذين استشهد بهم باكنجهام بأنهن ampquot;غير راضياتampquot; عن العديد من مجالات حياتهن. إذا كانت المرأة الغربية قد تعلمت أي شيء في السنوات الأربعين الماضية فهو كيف تكون غير راضية عن الوضع الراهن ـ وهي فكرة مهمة بالنسبة لبقية العالم، بما أننا نسعى إلى تصدير الحركة النسائية على الطراز الغربي.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

إن فكرة إسهام عملية ampquot;رفع الوعيampquot; على النمط الغربي في تعليم النساء كيف يشعرن بعدم الرضا لا تخلو من الحقيقة في واقع الأمر.

لقد أعلنت الحركة النسائية الغربية المعاصرة عن نفسها في عام 1963، بكتاب ampquot;غموض الأنوثةampquot; للكاتبة بيتي فريدان ، وما حمله ذلك الكتاب من الإذن بالشكوى ـ والذي عَرَّف بأكثر من وسيلة ampquot;المشكلة التي بلا اسمampquot;. وأعقب صدور ذلك الكتاب موجات من المناقشات والحوارات، التي ساعدت النساء الغربيات في إدراك كل ما هو ampquot;غير كافٍampquot; في العديد من أوجه حياتهن، مثل الوظائف المتدنية الأجر حيث ينسب الرجال إلى أنفسهم الفضل في عمل النساء ـ ampquot;ويقرصون مؤخراتهنampquot;.

كما أسهمت الحركة في رفع المعايير على المستوى الجنسي: فقالت شير هايت للنساء في عام 1973 إن عدم تمكن أي منهن من بلوغ هزة الجِماع لا يعني أنها شاذة ـ بل يتعين عليها أن تطلب المزيد من الاهتمام الجنسي الأكثر رقة وبراعة. ampquot;هل تريدين إدارة عمل تجاري خاص بِك؟ انطلقي يا فتاة! هل تحلمين بالمساواة بين حق الأبوة وحق الأمومة، أو شغل منصب قاضية المحكمة العليا؟ أحسنت يا أختاه!ampquot;. الواقع أن هؤلاء الذين تحدثوا بفصاحة عن الحركة النسائية الغربية دعوا النساء إلى المطالبة بالمزيد في كافة أوجه حياتهن.

ولكن الجانب السلبي لهذه اللغة والفلسفة الطموحة قد يتمثل في القلق الشخصي الدائم. فالعديد من الرجال والنساء في بقية أنحاء العالم ـ وخاصة في بلدان العالم النامي ـ يلاحظون هذه السمة فينا وتتملكهم في الحكم عليها مشاعر متباينة.

والواقع أن تعريف الحركة النسائية الغربية بأنها حركة ampquot;تطلب المزيد دوماًampquot; قادنا إلى مفارقة. ففتياتنا ونساؤنا الشابات عاجزات عن الاسترخاء والراحة. وتكشف البيانات الجديدة في الغرب عن حقيقة مؤلمة مفادها أننا لم نتمكن بالضرورة من تنشئة جيل من بناتنا اللاتي ينضحن باحترام الذات والثقة بالنفس. بل إننا نربي جيلاً من الفتيات اللاتي يتعاملن مع أنفسهن بمنتهى القسوة ـ فيحددن معاييرهن الشخصية عند مستويات غير معقولة من الارتفاع ـ ولا يمنحن أنفسهن الفرصة للراحة والتفكير في أن ما حصلن عليه قد يكون كافياً.

ولكن ماذا لو فشلنا نحن في الغرب في منح بناتنا تعريفاً للنجاح يجعلهن في بعض الأحيان يشعرن بالارتياح، بسبب سماحنا لأنفسنا بتعريف الحركة النسائية بأنها تتلخص في إنجاز المزيد دوماً، وإنجازه على نحو أفضل، والتفوق على الآخرين؟ من المؤسف بالنسبة لنا في الغرب أن الموجة الثانية من الحركة النسائية كان الطموح شعاراً لها، فطالبت بنساء متعلمات تعليماً عالياً وراغبات في الالتحاق بجامعات النخبة وينظرن إلى الإنجاز المهني باعتباره ذروة الإنجاز. ولم تفسح الحركة مجالاً يُذكَر لأشكال أخرى من الإنجاز، مثل رعاية الآباء المسنين، أو العمل كعضوات مساهمات في تغذية المجتمع وإثرائه فكرياً، أو ـ ويا له من شكل بعيد كل البعد عن أشكال الإنجاز في نظر الغرب! ـ التوصل إلى درجة من الحكمة الداخلية، أو البصيرة، أو السلام.

ماذا لو أخرجنا مُثُل الحركة النسائية في المقام الأول بوصفها مجموعة من الإنجازات والمصاعب، بدلاً من اعتناقها باعتبارها امتداداً لكافة ضروب الحرية ـ وهو ما قد يشتمل في بعض الأحيان على التحرر من الطموح الأبدي؟

إن إعادة تعريف الحركة النسائية بوصفها ampquot;سعياً دائماً إلى المزيدampquot; يفي بمتطلبات الرأسمالية الاستهلاكية وأخلاقيات العمل في عصر ما بعد الصناعة. وهذا لا يشكل بالضرورة نصراً للنساء ـ أو الرجال ـ فبعد مرور أربعين عاماً، ما زالت المرأة العاملة المحترفة تشعر بالإنهاك تماماً كما كانت حال الرجال تقليدياً. وحين سُئِل أطفال نساء عاملات في إحدى دراسات المسح الحديثة عما يرغبون في تغييره في حياتهم، فلم يقولوا إنهم يريدون قضاء المزيد من الوقت مع أمهاتهم، بل قالوا إنهم يتمنون لو تكون أمهاتهم أقل شعوراً بالإنهاك والإجهاد.

عمتي أناسويا واحدة من أهم نماذج القدوة في نظري. ولقد عمدت عمتي إلى تأجيل الإنجازات التقليدية في العالم المهني لأنها كانت تركز على تربية وتنشئة أسرتها. والآن بعد أن شب أطفالها عن الطوق سافرت إلى التبت لمدة شهور سعياً إلى تحقيق حلمها في أن تصبح ممارسة للطب التبتي. لا شك أن الحركة النسائية فتحت أمامها الطريق إلى حياة عامرة بالاختيارات، ثم الآن إلى تحقيق هذه الغاية غير العادية.

ولكنني لا أعرف أن الحركة النسائية أفسحت المجال بوضوح أمام احترام الجانب الأكثر إثارة لإعجابي بها: ألا وهو بابها المفتوح. فهي تعمل باستمرار على إيواء الطلاب الذين يحتاجون إلى بيت، أو الأمهات المنفردات اللاجئات غير المقتدرات اقتصادياً، أو تتيح ببساطة مكاناً واحداً آخر على المائدة للمراهقين الذين يتصارع آباؤهم مع قضايا خاصة بهم. وإذا نظرنا إلى الطريقة التي تعمل بها على تعزيز حياة الآخرين، فإن حياتها ampquot;المهنيةampquot; تُعَد في اعتقادي واحدة من أعظم الأمثلة التي أعرفها ـ وهي حياة تنضح بالهدوء، والصفاء، والسلام.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

هل ينبغي للحركة النسائية الغربية أن تسعى إلى تعميق تعريفها لحياة المرأة الناجحة، بحيث يصبح تعريف الاختيارات الجيدة مستنداً إلى ما هو أكثر من المؤهلات والإنجازات؟ أظن أن الوقت ملائم الآن للقيام بذلك. فمع انهيار الأسواق، وارتفاع مستويات البطالة إلى عنان السماء، وتبدل الأسس التي تقوم عليها مؤسساتنا على نحو غير مسبوق، فقد تكون هذه اللحظة بمثابة فرصة عظيمة للنساء وكل من يتولوهن بالرعاية.

لعل إدراكنا لعقم استناد شعور المرء بذاته إلى إنجازات خارجية مهنية يكون بمثابة نداء تنبيه ـ وخطوة أولى نحو قدرٍ أعمق من الحرية، وشعور أكثر عمقاً بمصير النساء.