0

اختبار الطب

تنتاب الدهشة أغلب الناس حين يعلمون أن التطبيق الصارم للقواعد الرسمية الخاصة بجمع الأدلة العلمية لتقييم الأبحاث الطبية وتحديد أفضل العلاجات هو في الواقع ظاهرة حديثة. وقد لا تكون دهشتهم أقل حين يعلمون أن السياسات المرتبطة بالصحة لم تخضع لنفس التوجه حتى الآن.

إن ما يطلق عليه "العلاج المبني على الأدلة" يستلزم وجود تسلسل من الأدلة التجريبية التي تسمح بتصنيف وترتيب الدراسات الطبية طبقاً لجودتها. وتحتل الأبحاث الفسيولوجية، التي تجرى على الاستجابات لدى الحيوان أو الإنسان في بيئة معملية، مرتبة متدنية ضمن هذا التسلسل. أما الدراسات القائمة على المراقبة والمشاهدة، والتي تقارن بين النتائج لدى المرضى الذين يتلقون علاجات خاصة وبين مجموعات الضبط التي لا تتلقى نفس العلاجات، فإنها تحتل مرتبة أعلى في التسلسل، إلا أنها قد تكون مضللة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

عادة لا يتسنى لنا الخروج بدراسات مقنعة للعقاقير والإجراءات الطبية إلا عن طريق التجارب العشوائية، حيث يتلقى المرضى العلاج أو لا يتلقونه طبقاً لعملية تشبه قذف قطعة عملة في الهواء. والتجارب العشوائية الجيدة تشتمل على عناصر وقائية إضافية ضد الانحياز، بما في ذلك استخدام العلاجات الزائفة التي تسمح للباحثين بالتعتيم على المرضى والمسئولين عن رعايتهم فيما يتصل بما إذا كان المرضى يتلقون أو لا يتلقون علاجات فعّالة.

لقد ارتكب الأطباء العديد من الأخطاء التي كان بوسعهم تجنبها في حالة تطبيق هذه المبادئ. على سبيل المثال، ظلت مجموعة من كبار الأطباء لعقد من الزمان تدافع عن استخدام الهرمونات التعويضية سعياً إلى تقليص خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين لدى النساء اللاتي تجاوزن مرحلة انقطاع الدورة الشهرية. ولكن تبين أن هذه التوصيات، القائمة على الدراسات الفسيولوجية والدراسات القائمة على المشاهدة والمراقبة، مضللة إلى حد بعيد. فقد أظهرت التجارب العشوائية في النهاية عدم جدوى الهرمونات التعويضية، بل وأثبتت حدوث زيادة واضحة للإصابة بسرطان الثدي والجلطات الدموية الشريانية لدى النساء المعالجات بهذه الهرمونات.

وعلى نحو مماثل، كان المتخصصين في علاج أمراض القلب يصفون بعض العقاقير لتقليل احتمالات الموت المفاجئ بين المرضى الذين أصيبوا بأزمات قلبية. وهذه العقاقير تمنع عدم اتساق ضربات القلب المرتبط بالموت المفاجئ. وكان المنطق وراء ذلك واضحاً: منع حالات عدم اتساق النبض الصامتة، من أجل تقليل احتمالات الموت المفاجئ. ولكن من المؤسف أن الباحثين، حين أجروا تجاربهم العشوائية، تبين لهم أن معدلات الوفاة كانت أكثر ارتفاعاً بين المرضى الخاضعين للعلاج بهذه العقاقير. ولقد توقف الأطباء المعالجون عن استخدام هذه العقاقير، ولكن ليس قبل أن يتسببوا في عدد ضخم من الوفيات غير الضرورية.

إلا أن إدراك ضرورة توجيه السياسات الصحية طبقاً لمبادئ العلاج القائم على الدليل كان بطيئاً للغاية. ففي هذا المجال، وعلى الرغم من عدم جدوى إجراء التجارب العشوائية، ظل بوسعنا أن نتبع المبدأ الأساسي للعلاج الطبي القائم على الدليل: ألا وهو بناء العمل على الخلاصة المنهجية لأعلى الأدلة المتاحة جودة.

ولنتأمل هنا القضية المطروحة بشأن ما إذا كان على الدول أن تتولى تمويل الرعاية الصحية عن طريق الحكومة، بفرض الضرائب على سبيل المثال، أو عن طريق القطاع الخاص باستخدام شركات التأمين الصحي ورسوم المنتفعين. ولقد تبين أن التأمين الصحي الخاص يشكل إهداراً هائلاً للأموال، بسبب النفقات الإدارية الضخمة على أنشطة تتضمن تطوير وتنمية حزم التأمين، وتسويق هذه الحزم، وتقييم المطالبات. أما التمويل العام فإنه لا يحتاج إلى مثل هذه الأنشطة التسويقية والترويجية، مما يؤدي إلى انخفاض التكاليف الإدارية إلى حد كبير.

وعلى نفس المنوال، فلسوف نجد أن رسوم المنتفعين تؤدي إلى إحجام الفقراء وكبار السن عن محاولة الوصول إلى الخدمات الصحية، بينما يعمل التمويل العام إلى حد كبير على إزالة التفاوت في الانتفاع بالرعاية الصحية، وفي نفس الوقت تقديم نتائج صحية لا تقل جودة، إن لم تكن أفضل من نماذج التمويل المختلط بين العام والخاص. والتمويل العام يفيد أيضاً اقتصاد الدولة، وذلك لأنه يعفي كبار أصحاب الأعمال من الإنفاق على تقديم فوائد الرعاية الصحية للعاملين لديهم.

وعلى هذا فإن الأدلة تشير إلى أن التمويل العام لكافة الجوانب الرئيسية للرعاية الطبية ـ الأطباء والمستشفيات، والعقاقير والمعدات الطبية ـ يتسم بعدم التفاوت، والكفاءة، والتفوق الصناعي.

لقد أدرك المجتمع الطبي الحاجة إلى توفير سبل المراجعة المنهجية لتوجيه القرارات المرتبطة باستخدام العقاقير العلاجية أو الإجراءات الجراحية، إلا أن استخدام مثل هذه السبل في تقرير السياسة الصحية لم يبدأ إلا منذ عهد قريب. ولقد كانت المراجعة المنهجية بمثابة تلخيص للأدلة فيما يتصل بتقديم الخدمات الصحية من خلال الشركات الضخمة الساعية إلى الربح في مقابل تقديمها من خلال جهات لا تسعى إلى تحقيق الربح.

والحقيقة أن أغلب الدراسات الأولية التي تشكل الأساس لهذه المراجعة تأتي من الولايات المتحدة، حيث تعمل الجهات الساعية إلى تحقيق الربح والجهات غير الساعية إلى تحقيق الربح جنباً إلى جنب في نفس البيئة، وحيث تسمح قاعدة البيانات الإدارية الضخمة بالتحقق من معدلات الوفاة بدقة. ولكن بينما تتعرض هذه الدراسات للتهديد بسبب الانحياز في اختيار المرضى ـ على سبيل المثال، قد يعني اختيار المرضى من بين الحالات الحرجة معدلات وفاة أعلى ـ إلا أن قاعدة البيانات الإدارية المتاحة هناك توثق المعلومات الخاصة بكل مريض، مثل العمر، وشدة المرض، والحالات المرضية المشتركة، مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم. وتسمح هذه المعلومات بتبني أساليب إحصائية من شأنها أن تمهد الساحة وتساعد في الحماية ضد أوجه التحيز المرتبطة باختبار المرضى.

لقد أثبتت المراجعة المنهجية أن سبل الرعاية الصحية الساعية إلى تحقيق الربح تتسبب في معدلات وفاة أعلى مقارنة بالرعاية الصحية غير الساعية إلى تحقيق الربح، وذلك على الرغم من التكاليف الأعلى التي يتحملها الممولون. ولقد أثبتت المراجعة المنهجية وجود نفس الظاهرة في العيادات الخارجية المتخصصة في غسيل الدم الكلوي ـ حيث كانت معدلات الوفاة الأقل من نصيب المرافق غير الساعية إلى تحقيق الربح ـ كما أثبتت أيضاً ارتفاع جودة الرعاية المقدمة في دور رعاية المسنين غير الساعية إلى تحقيق الربح.

Fake news or real views Learn More

إن السبب واضح وراء قدرة الجهات غير الساعية إلى تحقيق الربح على تقديم رعاية صحية أعلى جودة ونتائج صحية أفضل بتكاليف أقل. فبينما تتحمل الجهات الساعية إلى الربح تكاليف إدارية أعلى، فضلاً عن الرواتب الضخمة التي يتقاضها مديروها، إلا أن العبء الرئيسي الذي تتحمله هذه الجهات، مقارنة بالجهات غير الساعية إلى الربح، يتلخص في حاجتها إلى توليد العائدات لحملة أسهمها. وهذه التكاليف الإضافية تعني أن ما يقرب من 20% من إجمالي الدخل الذي تستطيع الجهات غير الساعية إلى تحقيق الربح تكريسه لرعاية المرضى لن يتوفر للجهات الساعية إلى تحقيق الربح. والنتيجة الطبيعية لهذا، حصول المرضى على نتائج أقل جودة.

لقد عملت مبادئ العلاج القائم على الدليل إلى تغيير نظرتنا إلى سبل التدخل العلاجي، وقد تؤدي بالتالي إلى منع تكرار كوارث الصحة العامة الناجمة عن أمور مثل العلاج بالهرمونات التعويضية والعقاقير المضادة لعدم اتساق نبضات القلب. وقد يؤدي تطبيق هذه المبادئ على السياسة الصحية العامة إلى اتخاذ قرارات أكثر حكمة فيما يتصل بكيفية إدارة أنظمتنا الصحية. والأدلة المتاحة تقدم دعماً قوياً لنظام التمويل العام للخدمات الصحية المقدمة من قِـبَل جهات غير ساعية إلى تحقيق الربح.