49

إلى أين يذهب كل العمال؟

نيويورك ــ في أيامنا هذه، يبالغ مبدعو التكنولوجيا والمسؤولون التنفيذيون عن شركات التكنولوجيا في تقدير الإيجابيات التي قد يجلبها المستقبل. فقد وَلَّدَت تكنولوجيات التصنيع الجديدة انفعالات محمومة حول ما يعتبره البعض ثورة صناعية ثالثة. ففي السنوات المقبلة، سوف يعمل التحسن التكنولوجي في مجال الروبوتات والتشغيل الآلي على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وهو ما يعني ضمناً مكاسب اقتصادية كبيرة للشركات. ولكن ما لم يتم وضع السياسات المناسبة القادرة على تعزيز النمو فسوف يظل من غير المؤكد ما إذا كان الطلب على العمالة قد يستمر في النمو مع تقدم التكنولوجيا إلى الأمام.

تنطوي التطورات التكنولوجية الحديثة على ثلاث نزعات: فهي تميل إلى الاستخدام الكثيف لرأس المال (وهي بالتالي تحابي أولئك الذين يمتلكون الموارد المالية بالفعل)؛ والاعتماد الكثيف على المهارة (وهذا يعني أنها تحابي أولئك الذين يتمتعون بالفعل بمستويات عالية من الكفاءة الفنية)؛ وهي موفرة للعمالة (أي أنها تميل إلى تقليل إجمالي عدد الوظائف غير الماهرة وشبه الماهرة في الاقتصاد). ومكمن الخطر هنا هو أن الاعتماد على الروبوتات والتشغيل الآلي سوف يؤدي إلى إزاحة العاملين في وظائف التصنيع المتوسطة والدنيا قبل أن يهدأ غبار الثورة الصناعية الثالثة.

لعل التطور السريع للبرمجيات الذكية على مدى العقود القليلة الماضية كان بمثابة القوة الأكثر أهمية في تشكيل الثورة الصناعية المقبلة. والواقع أن الإبداع في مجال البرمجيات، جنباً إلى جنب مع تكنولوجيات الطباعة الثلاثية الأبعاد، من شأنه أن يفتح الباب أمام هؤلاء العمال من الحاصلين على القدر الكافي من التعليم للمشاركة بشكل فعّال؛ ولكن بالنسبة لأي شخص آخر فقد يبدو الأمر وكأن الثورة تحدث في مكان آخر. والواقع أن مصنع المستقبل قد يحتوي على ألف روبوت وعامل واحد يديرها. وحتى أرضية المحل قد يكون كنسها بواسطة الروبوت رومبا أفضل وأرخص من أي عامل.

قد يبدو هذا خبراً قديماً بالنسبة للبلدان المتقدمة. فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، كانت القاعدة التصنيعية في اقتصادات آسيا الناشئة تعمل على إزاحة قاعدة القوى الصناعية القديمة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية. ولكن لا يوجد ما قد يضمن استمرار المكاسب التي تحققت لتشغيل العمالة في قطاع الخدمات في التعويض عن خسارة الوظائف في قطاع الصناعة.