26

الهروب من المعتاد الجديد للنمو الضعيف

ميلانو ــ لا شك أن التعافي من الركود العالمي الذي أحدثته الأزمة المالية عام 2008 استغرق فترة طويلة وكان هزيلا إلى حد غير عادي. ولا يزال بعض المراقبين يتوقعون تحسنا ملحوظا في النمو. ولكن بعد ثماني سنوات من اندلاع الأزمة، بدأ ما يشهده الاقتصاد العالمي يبدو أقل شبها بالتعافي البطيء وأقرب إلى توازن جديد يتسم بالنمو المنخفض. ولكن لماذا يحدث هذا، وهل يمكننا أن نفعل أي شيء حيال ذلك الأمر؟

أحد التفسيرات المحتملة لهذا "المعتاد الجديد" والذي نال الكثير من الاهتمام هو تراجع نمو الإنتاجية. ولكن برغم قدر كبير من البيانات والتحليلات، كان من الصعب تحديد ماهية الدور الذي تلعبه الإنتاجية في الضائقة الحالية ــ ويبدو أن الإنتاجية في واقع الأمر ليست محورية كما يتصور كثيرون.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

بطبيعة الحال، لن يكون تباطؤ نمو الإنتاجية مفيدا للأداء الاقتصادي في الأمد الأبعد، وقد يكون بين القوى التي تعوق تقدم الولايات المتحدة مع اقترابها من التشغيل "الكامل" للعمالة. ولكن في الكثير من بقية مناطق العالم، تبدو عوامل أخرى ــ على وجه التحديد عدم كفاية الطلب الكلي، والفجوات الكبيرة في الناتج والمتأصلة في القدرة الفائضة والأصول غير المستخدمة (بما في ذلك البشر) أكثر أهمية.

ففي منطقة اليورو على سبيل المثال، كان الطلب الكلي في العديد من الدول الأعضاء مقيدا بفِعل الفائض الكبير في الحساب الجاري لدى ألمانيا، والذي بلغ 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015، فضلا عن أمور أخرى. ومع ارتفاع الطلب الكلي واستخدام رأس المال البشري وغير ذلك من الموارد المتاحة على نحو أكثر كفاءة، تستطيع الاقتصادات أن تحقق زيادة كبيرة في النمو المتوسط الأمد، حتى في غياب مكاسب الإنتاجية.

لا شيء من هذا يعني أننا ينبغي لنا أن نتجاهل تحدي الإنتاجية. ولكن الحقيقة هي أن الإنتاجية ليست المشكلة الاقتصادية الرئيسية في الوقت الراهن.

وسوف يتطلب التصدي للمشاكل الأكثر إلحاحا التي تواجه الاقتصاد العالمي التحرك الجاد من قِبَل قوى متعددة ــ وليس البنوك المركزية فحسب. ومع هذا، كانت السلطات النقدية تتحمل حتى الآن قدرا كبيرا من عبء الاستجابة للأزمة. فقد تدخلت أولا لمنع انهيار النظام المالي، وفي وقت لاحق لمنع الديون السيادية والأزمة المصرفية في أوروبا. ثم استمرت في قمع أسعار الفائدة ومنحنى العائد، فارتفعت أسعار الأصول، وهو ما ساعد في تعزيز الطلب عن طريق تأثيرات الثروة.

بيد أن هذا النهج، برغم ما يترتب عليه من بعض الخير، بلغ منتهاه. فقد فشلت أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض ــ بل وحتى السلبية ــ في استعادة الطلب الكلي أو تحفيز الاستثمار. ولن تكون قناة انتقال سعر الصرف مفيدة كثيرا، لأنها لا تزيد من الطلب الكلي؛ بل تعمل على تحويل الطلب حول القطاعات القابلة للتداول لدى البلدان فحسب. وقد يساعد التضخم، ولكن حتى التدابير النقدية الأكثر توسعا لم تتمكن من رفع معدل التضخم إلى الهدف المرغوب، واليابان مثال واضح على هذا. ويتلخص أحد الأسباب وراء هذا في نقص الطلب الكلي.

ما كان لنا أن نتوقع قط أن تعمل السياسة النقدية على تحويل الاقتصادات إلى مسار نمو أعلى وأكثر استدامة من تلقاء ذاتها. ولم يكن المقصود من السياسة النقدية صراحة كسب الوقت لصالح الأسر، والقطاع المالي، والحكومات، حتى يتسنى لها إصلاح ميزانياتها وحتى تبدأ السياسات المعززة للنمو في إحداث الأثر المطلوب.

ولكن من المؤسف أن الحكومات لم تقترب بالقدر الكافي في ملاحقة الاستجابات المالية والبنيوية التكميلية. ومن الأسباب وراء هذا أن السلطات المالية في العديد من الدول ــ وخاصة في اليابان وأجزاء من أوروبا ــ كانت مقيدة بفِعل ارتفاع مستويات الديون السيادية. وعلاوة على ذلك، في بيئة تتسم بانخفاض أسعار الفائدة، يصبح بوسعها أن تتعايش مع أعباء الدين.

في حالة الحكومات المثقلة بالديون، تشكل أسعار الفائدة المنخفضة أهمية حاسمة للإبقاء على استدامة مستويات الدين وتخفيف الضغوط لإعادة هيكلة الدين ورسملة البنوك. والتحول إلى توازن أعلى للعائد على الديون السيادية من شأنه أن يجعل من المستحيل تحقيق التوازن المالي. وفي منطقة اليورو، كان التزام البنك المركزي الأوروبي، الذين أُعلِن في عام 2012، بمنع الديون من الارتفاع إلى مستويات غير مستدامة، مشروطا بالانضباط المالي سياسيا.

هناك أيضا دوافع سياسية. إذ يفضل الساسة ببساطة إبقاء العبء على السياسة النقدية وتجنب ملاحقة سياسات صعبة أو غير شعبية ــ بما في ذلك الإصلاحات البنيوية، وإعادة هيكلة الديون، وإعادة رسملة البنوك ــ بهدف تعزيز القدرة على الوصول إلى الأسواق والمرونة، حتى وإن كان هذا يعني تقويض النمو في الأمد المتوسط.

والنتيجة هي أن الاقتصادات أصبحت عالقة في ما يسمى توازن ناش، حيث لا يتمكن أي من المشاركين من الكسب من خلال تحرك أحادي. وإذا حاولت البنوك المركزية الخروج من سياساتها التيسيرية القوية من دون اتخاذ تدابير تكميلية لإعادة هيكلة الدين أو استعادة الطلب والنمو والاستثمار، فسوف يعاني النمو ــ فضلا من تضرر مصداقية البنوك المركزية، أو حتى استقلالها.

ولكن الخروج حتمي، لأن السياسات النقدية التوسعية بلغت النقطة التي عندها قد يصبح ضررها أعظم من نفعها. ومن خلال قمع عائدات المدخرين وأصحاب الأصول لفترة مطولة، تسببت أسعار الفائدة المنخفضة في تحفيز بحث محموم عن العائد.

ويتخذ هذا هيئتين. الأولى ارتفاع مستويات الإنفاق بالاستدانة، والتي تزايدت عالميا بنحو 70 تريليون دولار أميركي منذ عام 2008، إلى حد كبير (وإن لم يكن بالكامل) في الصين. والثانية تقلب تدفقات رأس المال، والذي دفع صناع السياسات في بعض الدول إلى ملاحقة برامج خاصة بها للتيسير النقدي أو فرض الضوابط على رأس المال، من أجل منع الضرر الذي قد يلحق بنمو القطاع القابل للتداول.

لقد آن الأوان لكي يُظهِر القادة السياسيون قدرا أكبر من الشجاعة في تنفيذ الإصلاحات البنيوية وإصلاحات الضمان الاجتماعي التي قد تعرقل النمو لبعض الوقت، ولكنها كفيلة بتثبيت استقرار الموقف المالي لبلدانهم. وفي عموم الأمر، تحتاج السلطات المالية إلى القيام بعمل أفضل كثيرا في ما يتصل بالتعاون مع السلطات النقدية، على المستوين المحلي والدولي.

وربما يكون من الواجب تأجيل هذا التحرك في الأرجح إلى أن تصبح العواقب السياسية المترتبة على انخفاض النمو، واتساع فجوة التفاوت، وانعدام الثقة في التجارة والاستثمار الدوليين، وفقدان البنوك المركزية لاستقلالها، أعظم من أن تُحتَمَل. ولن يحدث هذا على الفور في الأرجح؛ ولكن نظرا لصعود القادة الشعبويين الذين يستغلون هذه الاتجاهات السلبية لكسب التأييد، فقد لا يكون هذا بعيدا جدا.

Fake news or real views Learn More

في هذا السياق، قد تصبح الشعبوية قوة مفيدة في تحدي الوضع الراهن المعضِل. ولكن يظل الخطر قائما، إذا تمكن القادة الشعبويون من تأمين قبضتهم على السلطة، أن يلاحقوا سياسات تؤدي إلى نتائج أشد سوءا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali