2

عالَم من الآلام

بالتيمور ــ إن الحياة لا تخلو من الألم. وهو بارتباطه بالوعي على نحو لا ينفصم، يشكل تجربة تعيشها كل الكائنات الحية التي لديها جهاز عصبي متطور. والواقع أن الألم منح أسلافنا الذين كانت حياتهم محفوفة بالمخاطر ميزة تطورية تتلخص وظيفتها في التنبيه إلى ضرورة الابتعاد عن مصدره المباشر. ولكن التطور فشل في مواكبة التطورات الطبية الحيوية والتكنولوجية، الأمر الذي سمح بالألم المزمن (الألم الذي يستمر إلى ما بعد إصابة أو حالة حادة) للتحول إلى مرض في حد ذاته.

ومن الصعب أن نبالغ في تقدير التأثير المجتمعي المترتب على الألم المزمن. فوفقاً لمعهد الطب في الولايات المتحدة، يعاني واحد من كل ثلاثة أشخاص من الألم المزمن ــ أكثر من أولئك الذين يعانون من أمراض القلب والسرطان والسكري مجتمعين. والألم هو السبب الرئيسي للعجز، وخاصة آلام الظهر بين الأشخاص تحت سن 45 عاماً وآلام المفاصل بين الأفراد الأكبر سنا. وفي الولايات المتحدة وحدها، يكلف الألم المزمن أكثر من 600 مليار دولار أميركي سنوياً طبقاً لبعض التقديرات.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ومن الممكن تصنيف الألم وفقاً لمجموعة متنوعة من العوامل، مثل المدة أو الموقع. ولكن التصنيف الأكثر نفعاً يستند إلى الآلية. فالألم المرتبط بمستقبلات الألم، والتي تنشأ من ضرر يصيب الأنسجة غير العصبية، يحدث عندما يلوي شخص ما كاحله على سبيل المثال. ومن بين أمثلة آلام مستقبلات الألم المزمنة التهاب المفاصل. وينشأ ألم الأعصاب على النقيض من ذلك بعد الإصابة بجرح أو مرض يؤثر على الجهاز العصبي. وتلف الأعصاب الناتج عن مرض السكري (الاعتلال العصبي السكري) والألم المتواصل بعد القوباء المنطقية (الألم العصبي التالي لمرض الهربس) من بين أكثر الأسباب شيوعا.

والألم العصبي يصعب علاجه؛ فحتى أكثر الأدوية فعالية لا توفر سوى تخفيف متواضع لشدة الألم بين قِلة من المرضى. ومن الممكن أن نعزو هذا جزئياً إلى الطبيعة الذاتية للألم، وجزئياً إلى صعوبة تحديد مصدر هذا الألم بدقة.

ورغم براعة علماء الأعصاب في دراسة الألم، فإن النماذج الحيوانية لا تشمل المكون "العاطفي التحفيزي" للألم ــ مظاهر الألم العاطفية والإدراكية والسياقية. والواقع أن تأثير المؤشرات الفسيولوجية على تشخيص المريض بعد تعرضه لإصابة مؤلمة أقل من تأثير العوامل النفسية والاجتماعية مثل الاكتئاب أو مهارات التأقلم غير الناضجة. والمشكلة هي أن دراسة القياسات الذاتية أصعب كثيرا ــ خاصة وأنها ترتبط بمعدلات استجابة عالية للعلاجات الوهمية.

وتؤدي التوقعات غير الواقعية إلى تفاقم هذه العوائق النفسية التي تحول دون التقدم. وفي عصر الإتاحة الفورية، يتوقع الناس غالباً الراحة الفورية من الأعراض، وهو ما يصعب تحقيقه عندما يتعلق الأمر بالألم المزمن.

على سبيل المثال، تُعَد ممارسة التمارين الرياضية غالباً أفضل وسيلة لتخفيف آلام الظهر والرقبة، وفي الوقت نفسه علاج العوامل المساهمة الأساسية مثل السمنة. ولكن قِلة من الناس قد يكون لديهم الاستعداد لتكريس الوقت والجهد الذي تتطلبه مثل هذه الخطة العلاجية؛ فهم يفضلون الحقن أو الخضوع لعملية جراحية أو العلاج بالأدوية. وفي حال عدم إتاحة علاج فوري فقد يصاب المرضى بالإحباط، وهو ما من شأنه أن يعوق تعافيهم بشكل أكبر.

وما يزيد الطين بلة أن الناس يتعرضون لفيض من المعلومات ــ وكثيراً ما تكون هذه المعلومات مضللة ــ من خلال التلفزيون والإنترنت وغير ذلك من قنوات التسويق المباشر. وهذا من شأنه أن يغذي مفاهيم خاطئة، وفي العديد من الحالات يعطي الناس أملاً كاذباً حول نوع الارتياح الذي يمكنهم توقعه من عقار أو علاج بعينه.

وحتى الأطباء ليسوا محصنين ضد هذه المؤثرات؛ بل إنهم في الواقع يخلقون هذا الانحياز في بعض الحالات. على سبيل المثال، أظهرت الدراسات التي أجريت على حقن الستيرويد فوق الجافية لتخفيف آلام الظهر أن هذه الحقن من المرجح أن تسفر عن نتائج إيجابية أقوى بثلاث مرات عندما يقوم بحقنها أطباء يجرون عملية الحقن هذه بشكل روتيني.

كما أدت الحوافز المالية إلى تفاقم المشكلة على النحو الذي أدى بدوره إلى نشوء بعض الاتجاهات المثيرة للانزعاج. فعلى مدى العقد الماضي تزايد بشكل كبير استخدام الإجراءات والعمليات ووصفات المواد الأفيونية بهدف الحد من الألم المزمن، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، في حين فشل هذا الاتجاه في منع الزيادة في انتشار الألم أو عدد مطالبات التعويض عن العجز.

وهو أمر معقد بشكل خاص في البلدان حيث يقوم تسليم الرعاية الصحية على نموذج الرسوم في مقابل الخدمات. فمعدل جراحات العمود الفقري في الولايات المتحدة على سبيل المثال أكثر من ضِعف مثيله في أوروبا. وبرغم أن أقل من 5% من سكان العالم يقطنون الولايات المتحدة، فإنها تمثل أكثر من ثلاثة أرباع استهلاك المواد الأفيونية على مستوى العالم ــ وهو ما يؤدي إلى زيادة في معدلات الإدمان وتعاطي جرعات زائدة.

ولكن ما الذي يمكن مله لتحسين إدارة وعلاج الألم المزمن؟ بادئ ذي بدء، ينبغي لمقدمي الرعاية الصحية والأفراد أن ينظروا إلى الألم المزمن باعتباره "متلازمة" أكثر من كونه عرضا ــ وقد يكون "غير قابل للعلاج". وبالنسبة للمرضى الذين لم يستجيبوا للعلاج التقليدي، فإن استعادة الوظيفة لابد أن تحل محل القضاء على الألم باعتبارها الهدف الأساسي للعلاج.

وعلى نحو مماثل، ينبغي للمرضى أن يدركوا أن ما يطلق عليه وصف "العلاجات الخارقة" لعلاج الألم لا وجود له. ولا يُسفِر الاستخدام العشوائي للإجراءات التي قد يستفيد منها سوى قِلة مختارة من المرضى إلا عن زيادة تكاليف الرعاية الصحية. وبالمثل، بالنسبة للألم المزمن غير السرطاني، لا يوجد أي دليل تقريباً يدعم الاستخدام الطويل الأجل لجرعات عالية من المواد الأفيونية، والتي غالباً ما تضر أكثر مما تنفع. والواقع أن علاج الألم الطويل الأمد الذي يتمتع بالقدر الأعظم من الدعم التجريبي ينطوي على تعديل نمط الحياة مثل ممارسة التمارين، والحد من الإجهاد، وفقدان الوزن ــ ولك هذا يتطلب الكثير من الوقت والجهد.

وأخيرا، يتعين على الباحثين أن يقارنوا بين فعالة العلاجات المختلفة الطويلة الأجل من حيث التكاليف في المرضى النموذجيين الذين يعانون من الألم المزمن. ويصبح هذا النهج أكثر أهمية وقابلية للتعميم من الدراسات القصيرة الأجل التي ترعاها الصناعة والتي تقارن بين علاجات جديدة وأدوية وهمية في مجموعة سكانية مختارة بعناية ولا تعكس ظروف العالم الحقيقي.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن الفهم الشامل والواقعي لطبيعة الألم المزمن أمر بالغ الأهمية لابتكار علاجات فعّالة. والواقع أن الجهود الرامية إلى مساعدة المرضى قد تنتهي إلى خلق المزيد من المشاكل بدلاً من حل المشاكل الأصلية إذا لم تكن قائمة على أدلة أفضل.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali