18

الديون السيادية وسيادة القانون

نيويورك ــ في بعض الأحيان، تحتاج الحكومات إلى إعادة هيكلة ديونها. وإلا يصبح اقتصاد البلاد واستقرارها السياسي مهددين. ولكن في غياب سيادة القانون على المستوى الدولي لحل مشاكل التخلف عن سداد الديون السيادية، يدفع العالم ثمناً أعلى كثيراً من ذلك الذي ينبغي له أن يتكبده في مثل حالات إعادة الهيكلة هذه. والنتيجة هي سوق الديون السيادية المختلة، والتي تتسم بصراع لا ضرورة له فضلاً عن التأخير المكلف في معالجة المشاكل وقت ظهورها.

وهناك من الأحداث ما يذكرنا بهذا مراراً وتكرارا. ففي الأرجنتين، كانت المعارك التي تخوضها السلطات مع عدد صغير من "المستثمرين" (ما يسمى الصناديق الجشعة) سبباً في تعريض عملية إعادة هيكلة الدين المتفق عليها ــ طوعا ـ من قِبَل الأغلبية الساحقة من دائني البلاد للخطر. وفي اليونان، نجد أن أغلب أموال "الإنقاذ" في برنامج "المساعدة" المؤقت خصصت لسداد أقساط ديون مستحقة لدائنين قائمين، في حين اضطرت البلاد إلى تبني سياسات التقشف التي ساهمت بقوة في انحدار الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25% وتركت مواطنيها في حال أسوأ. وفي أوكرانيا، أصبحت التداعيات السياسية المحتملة نتيجة لضائقة الديون السيادية هائلة.

وبالتالي فإن السؤال حول كيفية إدارة عملية إعادة هيكلة الديون ــ خفض الدين إلى مستويات مستدامة ــ أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. إن النظام الحالي يضع ثقة مفرطة في "فضائل" الأسواق. فالنزاعات تحل في عموم الأمر ليس على أساس القواعد التي تضمن الحل العادل، بل عن طريق التفاوض والمساومة بين أطراف غير متساوية، حيث يفرض الأغنياء والأقوياء عادة إرادتهم على الآخرين. ولا تكون النتائج الناجمة عن ذلك عادة غير منصفة فحسب، بل وأيضاً غير فعّالة.

يستشهد أولئك الذين يدعون أن النظام يعمل على ما يرام بحالات مثل الأرجنتين باعتبارها استثناءات. ففي أغلب الوقت، كما يزعمون، يؤدي النظام عملاً طيبا. وهم يقصدون بطبيعة الحال أن البلدان الضعيفة تستسلم وتخضع عادة. ولكن بأي ثمن يتكبده مواطنوها؟ وإلى أي مدى قد تكون عملية إعادة الهيكلة ناجحة؟ وهل تم وضع البلاد على مسار استدامة الديون؟ في كثير من الأحيان، ولأن المدافعين عن الوضع الراهن لا يطرحون هذه التساؤلات، تتابع أزمات الدين الواحدة تلو الأخرى.