8

المهمة : إنقاذ البيئة

شيفي تشايس ،ميريلاند – تخيل أنه عاد بك الزمن لسنة 1966 وأنت تقف في مكتب حكومي في واشنطن العاصمة وتراقب موظف حكومي يرتدي الزي الرسمي وهو يخاطب رجلا بملابس العمل قائلا : " أن مهمتك تتمثل في القضاء على العدو الذي قتل أناس أكثر من الحربين العالميتين وسوف نعطيك ميزانية هزيلة وفريق صغير ولو فشلت فإن الوزير سينكر معرفته بأفعالك ".

يبدو أن هذا مشهد من فيلم هوليوودي وفي واقع الأمر فإنه يشبه المشاهد الإفتتاحية من المسلسل التلفزيوني المهمة المستحيلة والذي عرض هذا العام ولكن هذا حصل بالفعل وإن لم يتم ذكر تلك الكلمات على وجه التحديد. لقد كان المسؤول هو مساعد الجراح العام جميس وات والرجل الذي تم تكليفه بالمهمة هو العالم في مركز الأمراض المعدية دونالد هندرسون والعدو هو الجدري.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

إن من المؤكد أن المهمة بدت مستحيلة ففي ذلك الوقت كان الجدري يقتل ما يصل لمليوني شخص ويصيب 15 مليون شخص آخرين كل عام ولكن وكما في المسلسل فإن هندرسون وفريقه في منظمة الصحة العالمية تخطوا التوقعات وخلال أكثر من 10 سنوات بقليل أصبح الجدري أول –وحتى الآن الوحيد- مرض بشري معدي يتم القضاء عليه تماما.

إن مفتاح هذا الإنجاز الطبي الهائل لم يكن كما قد يتوقع المرء وهو حصول إختراق صحي كبير (لقد كان لقاح الجدري موجودا منذ القرن الثامن عشر) بل كانت الدبلوماسية والمرونة والتعاون .

منذ البداية لم تؤمن منظمة الصحة العالمية بحملة التطعيم وكثيرون ومن بينهم مدير عام منظمة الصحة العالمية أعتقدوا أنه من أجل وقف الجدري فإنه يجب تطعيم 1،1 مليار شخص في 31 دولة متأثرة بالمرض بما في ذلك القرى النائية مما يشكل كابوس لوجستي .

ولهذا السبب جادل مندوبو منظمة الصحة العالمية لإيام قبل الإتفاق بغالبية بسيطة جدا على توفير مبلغ زهيد وهو 2،4 مليون دولار أمريكي سنويا من أجل تحقيق ذلك وهو مبلغ قليل جدا لتغطية نفقات اللقاح الذي لم يتم التبرع به ناهيك عن تمويل الدعم اللوجستي اللازم والعديد من الجهات المانحة كانت متشاءمة كذلك حيث إعتقدت أن من الأفضل إنفاق الأموال على أشياء أخرى مثل البنية التحتية للرعاية الصحية وحتى اليونيسيف قررت عدم المساهمة في الحملة.

في واقع الأمر فلقد كان القرار بتسمية هندرسون لإداء تلك الوظيفة التي لا يحسد عليها والمتمثلة في قيادة الحملة نابعا من قرار مدير عام منظمة الصحة العالمية بإعطاء المسؤولية لشخص أمريكي وذلك حتى يقع اللوم على الولايات المتحدة الأمريكية وليس منظمة الصحة العالمية في حالة فشل البرنامج (لقد حاول هندرسون رفض الدور ولكن لم تكن هناك جملة " لو إخترت قبول المهمة" في هذه الحلقة ) ولكن هندرسون تمكن من تحويل مهمة خاسرة إلى مهمة رابحة بفضل فكرة رئيسية.

لقد أقر هندرسون بإن الإتحاد السوفياتي –والذي كان يضغط بإتجاه حملة القضاء على الجدري لسنوات عديدة والذي تعهد بالفعل بتقديم 25 مليون جرعة من اللقاح سنويا لن يكون متحمسا لوجود أمريكي على رأس الحملة وعليه فلقد تواصل هندرسون مع نائب وزير الصحة السوفياتي ديمتري فينيدكتوف والذي أنشأ علاقة طيبة معه مكنت الطرفين من العمل معا فيما يتعلق بالإستراتيجية واللوجستيات بالإضافة إلى تبرعاتهم المتعلقة باللقاح ( لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وافقت بالفعل على توفر 50 مليون جرعة كل سنة). وعليه أنتهى المطاف بالدولتين اللتين كان من المستبعد أن يتحالفا معا بإن يقودا الحملة لقتال المرض معا .

لقد كان هندرسون يتمتع بموهبة الدبلوماسية والقدرة على إكتشاف الأشخاص الذين يتمعون بالموهبة والقيادة ولقد أصر على أن يمضي جميع موظفيه ثلث وقتهم على الأقل في الميدان من أجل العمل مع المسؤولين المحليين وزيارة القرى وذلك حتى يشاهدوا على أرض الواقع التحديات التي تواجه التطعيم الشامل.

لقد كان من بين هولاء الموظفين ويليام فويج وهو طبيب تبشيري لوثري يعمل كمستشار في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في نيجيريا . لقد سمع فويج في أحد أيام ديسمبر 1966 بوجود حالة جدري في قرية أخرى فسافر على الفور هناك من أجل تطعيم عائلة الضحية والقرويين الآخرين .

لكن فويج شعر بالقلق من تفشي أوسع للمرض ولم يكن لديه جرعات كافية من أجل تطعيم الجميع في المنطقة وعليه تبنى فويج تكتيكا مختلفا فلقد أرسل عدائين لجميع القرى ضمن 30 ميل للتحقق من وجود المزيد من الحالات وقام بتطعيم الناس في المناطق الأربع التي ظهر فيها المرض فقط وهذا خلق " حلقة من التطعيم " حول الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض مما كسر سلسلة العدوى .

لقد تم توسيع نطاق عمل إستراتيجية فويج لتشمل شرق نيجيريا ومن ثم مناطق أخرى من غرب أفريقيا وفي نهاية المطاف تم تطبيق تلك الإستراتيجية في أكثر بيئة مليئة بالتحديات : الهند بسكانها الذي كان يصل عددهم آنذاك لنصف مليار إنسان ولقد تطلب الأمر وجود 130 ألف من العاملين المدربين في مجال الصحة و20 شهرا  مليئة بالمتاعب ولكنهم تمكنوا من القضاء على مرض الجدري الكارثي والذي عذب الهند لإلاف السنين ولاحقا لذلك وعلى الرغم من الكوارث الطبيعية وخطف موظفي منظمة الصحة العالمية والحروب الأهلية تمكن العاملون في مجال الصحة من تكرار ذلك النجاح في بنغلاديش وإثيوبيا والصومال وأخيرا سنة 1980 كان العالم خاليا من الجدري بشكل رسمي .

واليوم بعد خمسين سنة من إطلاق تلك المهمة الجريئة فإن الإنجاز الكبير الذي تحقق جراء تلك المهمة بدأ يتلاشى من الذاكرة ولكن الدروس التي تعلمناها من تلك المهمة والمتمثلة في توحيد مجتمع دولي مقسم للتغلب على تحدي مشترك هي دروس تعتبر غاية في الأهمية وخاصة في وقت تحتاج فيه المشاكل العاجلة مثل التدهور البيئي لحلول عالمية .

Fake news or real views Learn More

وكما أشار فويج فإن القضاء على الجدري أثبت أن " الجهود الدولية ممكنة " . نحن لسنا مضطرين للعيش "في عالم مليء بالأوبئة والحكومات الكارثية والصراع والمخاطر الصحية التي لا يمكن التحكم بها وعوضا عن ذلك فإن العمل المنسق لمجموعة من الناس الملتزمين والمتفانين يمكن أن يؤدي لمستقبل أفضل".

لا تستطيع الإنسانية أن تعيش في عالم من الهواء والماء الملوث والبحار الفارغة والحياة البرية المتلاشية والأراضي الجرداء . إن التحديات البيئية التي نواجهها الآن هي أمور تتعلق بالصحة العامة والرعاية كما كان الحال مع الجدري . إن مهمتنا سواء أردنا قبولها أم لا هو أن تتوفر لدينا الإرادة الجماعية لوقف التدمير الذاتي .