1

هل ينبغي لنا أن نثق بحدسنا الأخلاقي؟

إننا حين ندين أو ننتقد سلوك أحد رجال السياسة، أو أحد المشاهير، أو صديق، كثيراً ما نحتكم في النهاية إلى حدسنا الأخلاقي. فنقول لأنفسنا: "هذا التصرف لا يبدو صائباً!". ولكن من أين تأتي هذه الأحكام القائمة على الحدس والغريزة؟ وهل هي جديرة بالثقة إلى الحد الذي يجعلنا نعتمد عليها في توجيه حياتنا؟

في الآونة الأخيرة، أثار بحث غير عادي عدداً من الأسئلة الجديدة بشأن الدور الذي تلعبه الاستجابات القائمة على الحدس في التفكير والتحليل الأخلاقي. كان جوشوا غرين خريج الدراسات الفلسفية، والذي يعمل الآن في مجال علم النفس بعد أن انتقل مؤخراً من جامعة برنستون إلى جامعة هارفارد، قد قام بدراسة استجابات الناس لمجموعة من المعضلات الأخلاقية المتخيلة. تفترض إحدى هذه المعضلات أنك تقف إلى جانب قضبان سكة حديدية فتنتبه إلى عربة قطار بلا ركاب تتجه نحو مجموعة مكونة من خمسة أشخاص. وإذا ما استمرت العربة على نفس المسار فلسوف يلقى الأشخاص الخمسة حتفهم جميعاً.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

التصرف الوحيد الذي يمكنك به أن تمنع مقتل هؤلاء الأشخاص الخمسة هو أن تحرك ذراع تحويل لتغيير مسار العربة نحو سكة فرعية، حيث ستقتل العربة شخصاً واحداً فقط يجلس على هذه السكة الفرعية. حين نسأل الناس ما الذي يتعين عليك أن تفعل في هذه الظروف فإن أغلبهم سيرى أنك لابد وأن تحول العربة إلى السكة الفرعية، وبهذا تنقذ أربعة أرواح.

وفي معضلة أخرى، توشك عربة القطار، كما في المعضلة السابقة، على قتل خمسة أشخاص. إلا أنك في هذه المرة لا تقف بالقرب من القضبان بل على أحد جسور المشاة أعلى القضبان. وبالطبع لا يمكنك تحويل مسار العربة، لكنك تفكر في القفز من أعلى الجسر أمام عربة القطار، وبهذا تضحي بنفسك لإنقاذ خمسة أشخاص معرضين للخطر، إلا أنك تدرك أن وزن جسمك أخف كثيراً من أن يوقف عربة القطار.

ولكن إلى جانبك يقف شخص غريب ضخم الجثة. الوسيلة الوحيدة لمنع العربة من قتل الأشخاص الخمسة هي دفع الغريب الضخم من أعلى الجسر ليسقط أمام العربة. إذا ما دفعت الشخص الغريب فلسوف يقتل، ولكنك سوف تنقذ بهذا الخمسة الآخرين. حين نسأل الناس ما الذي يتعين عليك أن تفعل في هذه الظروف فإن أغلبهم سيرى أنه من الخطأ أن تدفع الشخص الغريب.

الحقيقة أن مثل هذه الأحكام ليست مقصورة على ثقافة بعينها. كان مارك هاوسر من جامعة هارفارد قد وضع بعض المعضلات المشابهة على شبكة الإنترنت فيما أسماه "اختبار الحس الأخلاقي". وهذا الاختبار متاح باللغات الإنجليزية، والأسبانية، والصينية على الموقع التالي: ( http://moral.wjh.harvard.edu ). بعد أن تلقى هاوسر عشرات الألوف من الاستجابات، وجد تماثلاً مذهلاً في الآراء، على الرغم من اختلاف الجنسيات والأعراق والأديان والأعمار.

لقد تحير الفلاسفة في محاولة تبرير أو تفسير حدسنا في مثل هذه المواقف، وذلك لأن الاختيار في كل من الحالتين ينحصر في إنقاذ خمسة أشخاص في مقابل التضحية بحياة شخص واحد. إلا أن غرين كان أكثر اهتماماً بمحاولة فهم الأسباب وراء نشوء الحدس ذاته. وعلى هذا فقد استخدم أسلوب التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي ( fMRI ) للتعرف على العمليات التي تحدث داخل مخ الإنسان حين يصدر مثل هذه الأحكام الأخلاقية.

ولقد وجد غرين أن الأشخاص الذين طُـلب منهم إصدار حكم أخلاقي بشأن اعتداءات "شخصية"، مثل دفع شخص غريب من أعلى جسر مشاة، أظهروا نشاطاً زائداً في مناطق من المخ مرتبطة بالعواطف. إلا أن الأمر اختلف مع الأشخاص الذين طُـلب منهم إصدار حكم بشأن اعتداءات "غير شخصية" نسبياً، مثل تحريك ذراع التحويل. فضلاً عن ذلك فإن الأقلية من المشاركين الذين رأوا أنه من الصواب دفع الشخص الغريب من أعلى الجسر، استغرقوا وقتاً أطول للتوصل إلى هذا الحكم مقارنة بمن رأوا أن دفع الشخص الغريب أمر خطأ.

ما الذي يجعل أحكامنا وعواطفنا تتفاوت على هذا النحو؟ أثناء القسم الأعظم من تاريخنا النشوئي كان البشر يعيشون في مجموعات صغيرة، حيث لم يكن من الممكن ارتكاب العنف إلا من مسافة قريبة وبطريقة شخصية، سواء بالضرب، أو الدفع، أو الخنق، أو استخدام عصا أو حجر أو هراوة.

للتعامل مع مثل هذه المواقف نمت لدينا استجابات حدسية فورية قائمة على العواطف في التعامل مع المواقف التي تتضمن إيقاع الأذى الشخصي بآخرين. وتؤدي فكرة دفع الشخص الغريب من أعلى جسر المشاة إلى استحضار مثل هذه الاستجابات. ومن ناحية أخرى، لم يكن بوسع أي إنسان أن يوقع الأذى بأي شخص آخر عن طريق استخدام ذراع تحويل لتغيير مسار عربة قطار إلا أثناء القرنين الماضيين ـ وهي ليست بالمدة الطويلة إلى الحد الذي يجعلها تشكل أي أهمية على المستوى النشوئي. وعلى هذا فإن فكرة القيام بهذه الفعلة لا يستحضر نفس الاستجابات العاطفية التي يستحضرها دفع شخص ما من أعلى جسر.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

يساعدنا كتاب غرين في فهم المصدر الذي ينبع منه حدسنا الأخلاقي. إلا أن كون حدسنا الأخلاقي عالمي وجزء من طبيعتنا البشرية لا يعني أنه سليم. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فهذه الاكتشافات لابد وأن تجعلنا أكثر تشككاً في الاعتماد على حدسنا.

على أية حال، لا يسعنا أن نستنبط أي مغزى أخلاقي حين نؤكد أن إحدى وسائل إيقاع الأذى بالآخرين كانت موجودة طيلة القسم الأعظم من تاريخنا النشوئي، وأن إحدى الوسائل الأخرى حديثة نسبياً. ذلك أن قصف الناس بالقنابل ليس أفضل من ضربهم بهراوة حتى الموت. مما لا شك فيه أن موت شخص واحد أقل مأساوية من موت خمسة أشخاص، بصرف النظر عن الكيفية التي تأتى بها الموت. ومن هنا، يتعين علينا أن نفكر لأنفسنا لا أن ننصت إلى حدسنا وغرائزنا فحسب.