8

معركة بوتن في المؤخرة

مدريد ــ كانت النجاحات الدبلوماسية التي حققتها روسيا مؤخراً في سوريا وإيران، جنباً إلى جنب مع أخطاء السياسية الخارجية التي ارتكبها الرئيس الأميركي باراك أوباما، سبباً في إكساب الرئيس الروسي فلاديمير بوتن المزيد من الجرأة في حملته الرامية إلى إظهار روسيا بمظهر الدولة القادرة على تحدي الاستثنائية الأميركية والعالمية الغربية. ولكن خطاب بوتن الأخير أمام الجمعية الاتحادية الروسية كان أكثر تعبيراً عن استيائه إزاء تهميش روسيا على المستوى الجيوسياسي من كونه صيحة المعركة تطلقها إمبراطورية صاعدة.

ومن المؤكد أنه مع إنهاك أميركا بفعل حروبها العقيمة في الشرق الأوسط، وانغلاق أوروبا على نفسها في مواجهة أزماتها الطاحنة، فإن الحجة لصالح الخطاب المتعدد الأقطاب تصبح أكثر إقناعاً اليوم مقارنة بأي وقت مضى منذ الحرب الباردة. ولكن هذا لا يغير حقيقة مفادها أن روسيا قوة منحدرة وأن انتصاراتها الدبلوماسية مجرد إنجازات تكتيكية لا ترقى إلى تغيير اللعبة الاستراتيجية بالنسبة للعالم.

وإذا كانت الشيوعية، على حد تعبير لينين "قوة سوفييتية إلى جانب كهربة البلاد الكامل"، فبوسعنا أن نصف البوتينية بأنها "مجرد أسلحة نووية إلى جانب استخراج النفط". وفي كل المجالات الأخرى، يحتفظ الغرب بميزة واضحة: فانحدار روسيا ديموغرافيا، وقواتها العسكرية العتيقة، واقتصادها الذي يتسم ببعد أحادي، وإنتاجيتها المنخفضة، واضطراباتها الداخلية المزمنة، كل هذا يجعل كل التحديات التي تواجه الولايات المتحدة وأوروبا تبدو ضئيلة للغاية بالمقارنة.

والواقع أن خطاب بوتن الأخير كان زاخراً بالإشارات إلى ضعف روسيا ــ وخاصة "التوترات بين الأعراق"، وسلطات الحكومات المحلية التي "تهزها فضائح الفساد بشكل مستمر"، والإدارة التي تفتقر إلى الكفاءة، وهروب رأس المال من خلال "أنشطة اقتصادية في الخارج"، والعجز عن تحقيق "اختراقات تكنولوجية". ومن المؤكد أن هذه السمات ليست تلك القادرة على صنع قوة مهيمنة في عالم خاضع للعولمة. وسواء شئنا أم أبينا، فإن الحديث عن تنافس روسيا مع الغرب ليس أكثر من حنين شاعري أو خطابة بلا معنى.