7

الدول العربية وآلام المخاض

تل أبيب ــ يبدو أن الأميركيين والأوروبيين ــ الذين أخذهم تفكك الدولة العراقية على حين غِرة، بعد أن عَـجَّل به التقدم السريع الذي حققه المتشددون المسلحون المنتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ــ عادوا إلى ولوعهم بجلد الذات. والواقع أن حصة كبيرة من المسؤولية عن الاضطرابات والمحنة التي يعيشها العراق ــ ناهيك عن سوريا ــ تقع بلا أدنى شك على عاتق الإرث الاستعماري الغربي الخبيث والسياسات الخاطئة العنيدة في الشرق الأوسط العربي. ولكن هذه الاضطرابات التي تجتاح العالم العربي تعكس في نهاية المطاف المواجهة الصعبة بين حضارة قديمة وتحديات الحداثة.

لا شك أن مشروع الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش في العراق كان متهوراً وغير مدروس إلى حد مأساوي، تماماً كما كان فشل الرئيس باراك أوباما لاحقاً في الإبقاء على قوة كافية في العراق بعد سحب الولايات المتحدة لقواتها من هناك. والواقع أن رحيل القوات الأميركية المتسرع سمح لتنظيم داعش باكتساب الأرض، في حين عمل على تمييع الحدود مع سوريا. وفي اندفاع تنظيم داعش إلى إقامة دولة إسلامية، غزت قواته سوريا من الموصل قبل وقت طويل من غزوها للموصل من سوريا.

لكن التاريخ كثيراً ما يتشكل بفعل قوى ساحقة مجردة ــ مثل الدين، والهوية العرقية، والمواقف الثقافية ــ لا تتقبل الحلول القائمة على القوة، ناهيك عن التدخل بجيوش أجنبية. فحتى لو لم تُقدِم الولايات المتحدة على غزو العراق قَط، فليس من المستبعد تماماً أن نفترض أن انتقال السلطة بعد حُكم صدّام حسين كان ليتم في إطار من العنف، وبنتائج أشبه بما يحدث في سوريا اليوم أو ما حدث في يوغوسلافيا في تسعينيات القرن العشرين، عندما انتهت حرب أهلية وحشية هناك إلى تقسيم البلاد على أسس عِرقية.

في هجومه الشهير على الحتمية القَدَرية، لم ينكر الفيلسوف أشعيا برلين أن بعض العوامل البنيوية قد تحرك التاريخ؛ ولكنه رفض ببساطة استغلال ذلك كذريعة لتجنب المسؤولية الأخلاقية. فبرغم عجز النخب العربية عن السيطرة على قوى الإمبريالية الغربية على سبيل المثال، فإن فشل هذه النخب في الإقرار بنصيبها من المسؤولية عن المشاكل التي تبتلي المجتمعات العربية الحديثة يرقى إلى ارتكاب جريمة الخيانة في حق شعوبها.