34

لماذا إسرائيل؟

تل أبيب ــ لقد خلفت أحدث حرب خاضتها إسرائيل في غزة أصداءً قوية ومدمرة في مختلف العواصم الأوروبية. ففي برلين ولندن وباريس وروما وأماكن أخرى، يُندَّد بإسرائيل بوصفها "دولة إرهابية". وانبرى متظاهرون غاضبون إلى إحراق معابد يهودية في فرنسا، وحتى في ألمانيا حيث كان بعض المتظاهرين ينشدون "أرسلوا اليهود إلى غرف الغاز!". ويبدو أن هذا الاقتران الغريب المتنافر بين التضامن الشرعي مع فلسطين وبين القدح والذم المعادي لليهود ساعد في صياغة شكل يتسم بالقوامة السياسية من أشكال معاداة السامية ــ وهو ما يبعث من جديد، بعد سبعين عاماً من المحرقة، شبح "ليلة الكريستال" الذي بات يخيم على الجاليات اليهودية في أوروبا.

يسعى الإسرائيليون جاهدين لفهم الأسباب التي تجعل خمسة ملايين لاجئ ومائتي ألف قتيل في سوريا أمراً أقل أهمية كثيراً في الضمير الغربي من ألفين فلسطيني قُتِلوا في غزة. ولا يمكنهم أن يفهموا تماماً كيف من الممكن أن يدين المتظاهرون الأوروبيون حروب إسرائيل باعتبارها "إبادة جماعية" ــ وهو المصطلح الذي لم يستخدم قط لوصف المذبحة السورية، أو محو روسيا لمدينة جروزني، أو الخسائر التي تجاوزت نصف مليون إنسان في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، أو الغارات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة على أفغانستان وباكستان.

الواقع أن الإجابة بسيطة: فتعريف خطايا إسرائيل باستخدام مصطلحات مستعارة من أيام المحرقة هو طريقة أوروبا التقية الورعة لتخليص نفسها من العقدة اليهودية. ذلك أن "المحرقة"، كما كتب توماس كينالي في تابوت شندلر، "مشكلة غير اليهود وليست مشكلة يهودية". أو كما قال الطبيب النفسي تسفي ريكس ساخرا: "الألمان لن يغفروا لليهود أبداً ما حدث في أوشفيتز".

لا أحد يستطيع أن ينكر أن معاناة غزة كارثة إنسانية. ولكنها لا تقترب حتى من أزمات إنسانية أخرى في العقود الأخيرة، بما في ذلك تلك التي شهدتها جمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان، والعراق، وأفغانستان. بل إن الصراع العربي اليهودي/الإسرائيلي بكامله منذ عام 1882 لم يسفر إلا بالكاد عن نصف عدد الخسائر التي أوقعتها سوريا في غضون ثلاث سنوات فقط. ومنذ عام 1950، يحتل الصراع العربي الإسرائيلي المرتبة التاسعة والأربعين من حيث عدد الوفيات.