4

اقتصاد آبي ونجاحه السِري

طوكيو ــ تشهد مدينة طوكيو الآن طفرة بناء قوية، مع إعادة بناء بنايات المكاتب والشقق السكنية الشاهقة في أشكال أكثر حداثة وأناقة، وكل هذا مع الحفاظ على المعايير البيئية الصارمة. الواقع أن بريق طوكيو ساطع وباه ــ وسوف يُبهِر الزائرين بكل تأكيد في دورة الألعاب الأوليمبية 2020 ــ حتى أن المدينة قد تبدو وكأنها حالة شاذة، نظرا للتقارير القاتمة التي تؤكد أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الياباني يظل بعد عقود من الركود هزيلا.

الواقع أن حتى المدن الصغيرة مثل كوشيرو ونيمورو في هوكايدو، والتي تقع بالقرب من الجزر المتنازع عليها بين روسيا واليابان، يُعاد بناؤها وتحديثها الآن بوتيرة سريعة، كما يتبين بوضوح لأي سائح (كما كانت حالي هذا الصيف). تُرى ماذا يفسر هذا التباعد بين البيانات الاقتصادية الوطنية المخيبة للآمال والتقدم الملموس في المدن اليابانية؟

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

لعلها مشكلة حسابية. فوفقا للبيانات الرسمية، تباطأ نمو الاقتصاد الياباني الحقيقي بنحو نقطة مئوية واحدة في السنة المالية 2014. ولكن وفقا للباحثين في بنك اليابان، تشير البيانات الضريبية إلى أن النمو كان أعلى بنحو ثلاث نقاط مئوية من الرقم الرسمي، وهو ما يعني ضمنا أن الناتج المحلي الإجمالي كان أكبر بنحو 30 ترليون ين (300 مليار دولار أميركي تقريبا) من الوارد في التقارير الرسمية.

وهناك سبب وجيه يجعلنا نعتقد أنه كان كذلك بالفعل. فالبيانات الضريبية تمثل الناتج المحلي الإجمالي الموزع وتغطي رقعة أوسع من النشاط الاقتصادي مقارنة بقياسات الناتج التقليدية. ولأن قِلة من دافعي الضرائب لديهم الحافز لتضخيم دخلهم المعلن، فإن الأرقام الناتجة من غير المرجح أن تكون موضع مبالغة.

وبوسعنا أن نستمد المزيد من الدلائل التي تشير إلى التقدم الحقيقي في اليابان من مصدر آخر: نظام الحسابات الوطنية الجديد لعام 2008، والذي يُعَد المعيار الإحصائي الدولي الأحدث الصادر عن اللجنة الإحصائية التابعة للأمم المتحدة. وتشير حسابات غير نهائية باستخدام بيانات مكتب مجلس الوزراء الياباني إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الياباني في عام 2011 تجاوز البيانات المنشورة بنحو 4.2% أو 19.8 تريليون ين وفقا لمعيار نظام الحسابات الوطنية 2008 ــ والذي يعتبر البحث والتطوير، بما في ذلك الملكية الفكرية، بين الأصول الرأسمالية للشركات.

يكمن الإخفاق الثالث في قياسات الناتج المحلي الإجمالي الياباني التقليدية في حقيقة مفادها أن هذه القياسات تضع في الاعتبار ما يُنتَج داخل حدود البلاد فقط. ولكننا نعيش في عالَم تحكمه العولمة، وفي الوقت الحاضر يكتسب المواطنون اليابانيون دخلا كبيرا من الأنشطة اليابانية في الخارج.

ونظرا لهذا فإن الدخل الوطني الإجمالي ربما يكون أكثر دقة في تمثيل الظروف الاقتصادية في اليابان. ففي العام المالي 2015، سجل الدخل الوطني الإجمالي الياباني نموا بلغ 2.5%، في حين بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 0.8% فقط. ولأن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في اليابان يقترب الآن من 500 تريليون ين، فإن الفارق البالغ 1.7 نقطة مئوية بين الدخل الوطني الإجمالي والناتج المحلي الإجمالي يعادل 8.5 تريليون ين.

من المؤكد أن الأنشطة الخارجية ليست السبب الوحيد وراء نمو الدخل الوطني الإجمالي بسرعة أكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي. فحتى داخل اليابان، سجلت عائدات شركات عديدة مؤخرا معدلات قياسية، وهو ما يرجع بشكل كبير إلى جهود تنشيط الاقتصاد التي بذلها رئيس الوزراء شينزو آبي. والواقع أن النمو الاقتصادي التدريجي الذي حفزه ما يسمى "اقتصاد آبي"، جنبا إلى جنب مع انخفاض سعر الصرف حتى وقت قريب، ساعد في تحفيز السياحة التي تمكنت بفضلها مدن مثل كوشيرو ونيمورو من تمويل إعادة بنائها.

في مجموعها، تشير أرقام الدخل الوطني الإجمالي والنتائج الضمنية للبيانات الضريبية ونظام الحسابات الوطنية إلى أن أداء اقتصاد اليابان كان في الآونة الأخيرة أفضل إلى حد كبير ��ما توحي به الإحصاءات الوطنية. ورغم أن كل حساب جديد يركز على سنة مختلفة، فمن الممكن أن نستخدمها على سبيل الاسترشاد لتقدير التقدم الاقتصادي غير المحتسب في اليابان.

والنتيجة جوهرية: تعديل سنوي قدره 30 تريليون ين زيادة في الدخل الموزع، فضلا عن تعديل قدره 19.8 تريليون ين للبحث والتطوير والملكية الفكرية. أضف إلى هذا تعديل الدخل الوطني الإجمالي بنحو 8.5 تريليون ين، فيصبح حجم اقتصاد اليابان أكبر بنحو 70 تريليون ين، أو أكبر من البيانات الرسمية بنحو 14%. ورغم أن هذه مجرد حسابات تقريبية، فمن المستحيل أن ننكر الفوارق المحتملة التي تُظهِرها حسابات أكثر شمولا.

ولا يخلو هذا من عواقب سياسية مهمة. فوفقا للإحصاءات الرسمية، التي تذكر أن الناتج المحلي الإجمالي الياباني يبلغ 500 تريليون ين، لا تزال اليابان بعيدة بنحو 100 تريليون ين عن تحقيق هدف رئيسي في المجموعة الثانية من اقتصاد آبي: تحقيق اقتصاد يبلغ حجمه 600 تريليون ين. وتُقَلِّص القراءة المنقحة للإحصاءات هذا العجز بنحو 70%. الأمر ببساطة إذن أن اقتصاد آبي لا يُنسَب إليه ما يستحق من فضل.

Fake news or real views Learn More

الواقع أن عدم اكتمال المنظور الرسمي قد يكون محبطا، خاصة وأن الأسهم اليابانية تعاني من نكسات، في حين تتزايد الأسهم الصينية، برغم حقيقة مفادها أن الصين، على النقيض من اليابان، تواجه مخاطر اقتصادية مستترة كبرى. ويشكل التمثيل الأكثر شمولية ودقة للتقدم الاقتصادي الذي حققته اليابان أهمية بالغة لمنح المستثمرين الثقة في جدارة الاقتصاد الياباني ومزاياه. وهذا بدوره من شأنه أن يعزز من تأثير اقتصاد آبي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali