5

اندلاع ثورة المناطق السكنية في موسكو

موسكو - منذ بضعة أشهر مضت، بدا وكأن الروس قد إستلسموا تماما لسياسة "الاستبداد الناعم" التي يمارسها الكرملين وقد أدى سجن أو إسكات المعارضين في أنحاء روسيا إلى تفشي الشعور بالقنوط لا بالخوف - ذلك الشعور بأن الكلمات والأفعال لم تعد تهم، وبالتالي لم تعد ثمة أهمية للخطابات والحشد إلا أن الإحتجاجات الأخيرة تشير إلى أن جذوة القتال لم تخمد في نفوسهم.

ولا شك أن "الوطنيين" الذين يدعمهم الكرملين لا يزالون يشكلون قوةً فعالة للتنديد بمن ينتقدون الرئيس فلادمير بوتين ففي الاحتفال بعيد النصر 9 مايو، في ذكرى هزيمة ألمانيا النازية سنة 1945، خرج أكثر من مليون شخص في أنحاء البلاد في مسيرة رافعين صورًا لستالين والجنود الذين سقطوا في كافة الحروب الروسية، بما في ذلك الحرب الحالية في أوكرانيا.

لقد استولى الكرملين على تلك المسيرة التي تُدعى بمسيرة الخالدين، والتي كانت في وقت من الأوقات مبادرة مدنية رائعة، من أجل الربح والدعاية: فهي استعراض للوحدة الوطنية تقدم فيه الدولة مقابل رسم محدد أشياء مثل حوامل الصور والأشرطة وحينما انشقت إحدى النساء عن المسيرة حاملةً لافتة تنادي بإيقاف كافة الحروب، قام الحشد بتنفيذ واجبه الوطني المستلهَم من الكرملين، فصاح فيها بغضب: "إنك تُحرجين رئيس الحرب لدينا"

وكما حذر ألكسيس دو توكفيل من قبل، فإن الدولة ليست بحاجة إلى أن تكون ذات نظام شمولي تام حتى تعاني من الاستبداد. إن الأغلبية تقيم عقبات هائلة أمام حرية الرأي وتضطلع بتقديم عدد كبير من الآراء الجاهزة للأشخاص الذين يُعفَون نتيجةً لذلك من ضرورة تكوين آراء بأنفسهم." إن هذا النوع من "استبداد الأغلبية" ليس بحاجة إلى معسكرات اعتقال ليكون فعّالًا.

بيد أنه، وعقب مرور أسبوع على مسيرة عيد النصر، نهضت الأقلية وتظاهر ما يقرب من 30000 شخص في موسكو احتجاجًا على هدم الكرملين لمباني كيروسشيفكي،تلك المجمعات من الشقق السكنية التي تتكون من خمسة طوابق، والتي تم إنشاؤها في موسكو في ظل قيادة جدِّي نيكيتا خروتشوف خلال فترة الخمسينات.

وفي دولة غالبًا ما يُعظِّم سكانها من شأن ستالين إلى أبعد الحدود، كانت رؤية خروتشوف لمرة واحدة نموذجًا للبطولة أمرًا معززًا للروح المعنوية. رفع الأشخاص لافتات مُزينة بالألفاظ النابية التي كان يستخدمها، مثل "Ya vam pokazhu kuzkinu mat, restovratory khrenovy" (سأنال منكم أيها المُجددون الملعونون).

كان الهدف من مباني كيروسشيفكي السكنية تعزيز الخصوصية؛ إذ كانت ممارسة حضرية من ممارسات ستالين لإجبار 30  شخصًا على تقاسم الغرف والمرحاض والمطبخ مع بعضهم البعض في شقة واحدة ومع ظهور الإصلاح في فترة الخمسينات، حُرِّرَت العائلات من المعيشة المشتركة، فلم تحصل العائلة على مطبخها ومرحاضها الخاص فحسب، بل إنها كانت قادرة على العيش من دون أن تخشى أن يتم التصنُّت على ما يقوله الأفراد في المنزل أو نقله إلى الاستخبارات السوفييتية (كيه جي بي).

كان خروتشوف يأمل أن تسد تلك المباني المتواضعة حاجات المواطنين حتى فترة الثمانينات، والتي توقع فيها ظهور الترف البروليتاري ولكن انهارت الشيوعية عن بكرة أبيها خلافًا لما كان يتوقعه وصمدت مباني كيروشيفسكي أمام مواسم الشتاء الروسية سواء تلك المتعلقة بالطقس أو السياسة.

بل إن مباني كيروسشيفكي كانت رمزًا لروسيا التي كانت تتمتع بقدرٍ أكبر من الحرية طيلة نصف قرن ولا شك أن بعض تلك المباني متهالكة وتحتاج إلى استبدالها، ولكن البعض الآخر لا يحتاج إلا إلى الصيانة وقد فازت إحدى العمليات الهولندية لإعادة تشكيل أحد الألواح الرمادية التي تعود إلى تلك الحقبه بجائزة كبرى في فن الهندسة المعمارية.

ولكن الكرملين لديه خططه الخاصة حيث تغطي مباني كيروسشيفكي مئات الأميال المربعة من الأراضي الحضرية القيمة - وهي أراضٍ يمكن أن تدرَّ الأرباح على الدولة ومسؤوليها إذا تم تغطيتها بالفنادق ومراكز الأعمال.

إن جهود المواطنين الروس العاديين في حماية ممتلكاتهم الخاص تشبه تلك الاحتجاجات التي اندلعت في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي ففي ذلك الوقت، كانت المعارضة السياسية ضعيفة ومُشتَّتة، إلا أنه كانت ثمة كثير من المبادرات العامة الساعية إلى تحقيق أهداف غير سياسية، والتي أدت بالضرورة إلى المواجهة مع النظام الذي يفرضه الكرملين.

بدت مجموعات المعارضة محدودة، بدءًا من سائقي السيارات وحتى علماء البيئة المتطوعين، إلا أن تلك المجموعات أظهرت أن المصالح الخاصة يمكنها أن تجذب اهتمامًا أكبر من الاهتمام بالمساعي السياسية. وقد أدت معارضتها لسياسات حكومية معينة إلى احتجاجات سياسية هائلة ضد عودة بوتين إلى الرئاسة عام 2012.

ولمجابهة تلك المقاومة المتصاعدة، اتجه بوتين إلى القومية الوطنية، والتي حظيت بأقصى درجات التعظيم مع ضم شبه جزيرة القرم عام 2014.وقد بدا ذلك النهج ناجحًا؛ حيث خبت جذوة الاحتجاجات، إذ تم تشويه سمعة قادتها والتشنيع بهم وإسكاتهم وقد أغتيل أحد قادة الاحتجاجات، وهو بوريس نيمتسوف عام 2015  وخرج غاري كاسباروف، بطل لعبة الشطرنج المُنشَق الى المنفى وتعرض أليكسي نافالني، المحامي المناهض للفساد وأشهر قادة المعارضة الموجودين، لكافة أنواع الفظائع، بدءًا من الدعاوى القضائية الوهمية وانتهاءً بالمواد الكيماوية السامة التي كان "الوطنيون" يرشونه بها.

ولكن حتى قبل اندلاع احتجاجات كيروسشيفكي كان هناك ما يشير إلى أن المعارضة لم تُقمَع تمامًا  ففي مارس تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص الذين كان أغلبهم من الشباب بقيادة نافالني احتجاجًا على ما زُعِم من اكتساب دميتري ميدفيديف، الرئيس الأسبق ورئيس الوزراء الحالي، لأموال طائلة (وغير مستحقة). إن بوتين بالرغم من فساده لا يزال يحظى بالشعبية والنفوذ ولكن من يكون ميدفيديف لكي يجمع أموالًا طائلة على حساب الشعب؟

وبالطبع لم يكن هدف تظاهرات مارس إسقاط النظام، وكذلك الحال بالنسبة إلى تظاهرات كيروسشيفكي مؤخرًا. ولكن الشعب أراد أن يُسمَع صوته وقد تنبهت سلطات الكرملين إلى كلتا الموجتين من الاحتجاجات.

فعلى نحوٍ غير متوقع إلى حد ما، أسرعت السلطات الروسية، وهي والتي كانت قد أجبرت الروس الملتزمين بطاعتها على الانتقال طيلة قرون - من القرى إلى المدن ثم للعودة إلى القرى، ثم إلى معسكرات الاعتقال، ثم إلى مباني كيروسشيفكي - بتقديم ضمانات إضافية إلى مستأجري مباني كيروسشيفكي ويعني ذلك إتاحة المزيد من الوقت للاتفاق على الاستبدال المقبول أو لضمان بدائل سكنية يمكنهم الاختيار من بينها. حتى أن وزارة العدل الروسية أصبحت الآن تتحدث علنا دفاعًا عن مصلحة المواطنين.

إلا أن الشعب لا يرضى بذلك؛ فمن المقرر القيام لمسيرة احتجاجية في نهاية شهر مايو، ومع وجود دعم الأحزاب السياسية ومنظمات حقوق الإنسان بالفعل، تعد هذه المسيرة بأن تكون أكبر حجمًا من المسيرة الأخيرة.

إن أمام بوتين الآن خيارين: أن يقمع المعارضة كما فعل في 2012  ويراهن بشعبيته على غزوٍ آخر كبير - كالاستيلاء على كييف على سبيل المثال- أو أن يعطي الشعب ما يريده بالتراجع عن خطة هدم مباني كيروسشيفكي واحترام حقوق الملكية ومع كون بوتين بلا شك يأمل في أن تكون الانتخابات الرئاسية للعام المقبل أكثر انتظامًا مما سارت عليه في 2012 فقد يمتثل للخيار الأفضل في الاستماع، ولو لمرة واحدة، إلى صوت الشعب علما أن ذلك سيكون على أقل تقدير أقل تكلفةً من أن يخوض حربًا.