23

بوتن والروليت الروسية

لندن ــ لأول وهلة، بدا الأمر وكأن الحدثين المأساويين اللذين وقعا مؤخرا ــ إسقاط طائرة ركاب مدنية روسية فوق شبه جزيرة سيناء والمذبحة الإرهابية في باريس بعد أسبوعين ــ أعطيا روسيا والغرب شيئاً يتفقان عليه: حتمية القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). بيد أن الدراسة المدققة للعمليات العسكرية الروسية في سوريا ــ ناهيك عن إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية ــ تشير إلى أنه من السابق للأوان الاستنتاج بأن الأهداف الروسية والغربية من الممكن أن تتوافق

تزعم روسيا بطبيعة الحال أن تدخلها في سوريا يهدف إلى إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية و"غيره من الجماعات الإرهابية". ولكن وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، فإن أكثر من 90% من الضربات الجوية الروسية حتى الآن لم تكن موجهة ضد داعش أو جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، بل إلى الثوار المسلحين الذين يقاتلون كل من تنظيم الدولة وحليف روسيا بشار الأسد. والواقع أن تنظيم الدولة حقق تقدماً في حلب منذ بدأت الغارات الجوية.

لا يعني هذا أن القضاء على تنظيم الدولة ليس على أجندة فلاديمير بوتن. فمن المؤكد أن هذا أحد أهداف أجندته، ولكن ثمة أهداف أخرى وهي: حماية نظام الأسد، وتوسيع تواجد روسيا العسكري ونفوذها السياسي في شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، بل وربما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

حتى الآن، كانت الضربات الجوية الروسية تتركز على اللاذقية، وحماة، وإدلب، حيث مكنت نظام الأسد من تحقيق تقدم كبير على عدة جبهات. ويبدو أن بوتن يحاول مساعدة الأسد في تأمين معاقله الساحلية التي حقق الثوار تقدماً كبيراً نحوها في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول. تشكل هذه المناطق جزءاً مما يسمى "سوريا المفيدة"، والتي تضم أيضاً الحدود اللبنانية، ودمشق، وأجزاءً من حلب، فضلاً عن مدن كبرى في الجنوب الغربي ووسط سوريا. إذ يتعين على الأسد أن يحافظ على سيطرته على هذه المناطق لتحصين موقفه في أي مفاوضات سياسية أو تسوية نهائية، بما في ذلك التقسيم المحتمل.