French President Emmanuel Macron Alessandra Benedetti - Corbis/Getty Images

الطريق إلى اتحاد التحويل الأوروبي

ميونيخ ــ بعد مرور عشر سنوات منذ دفعت أزمة الركود العظيم الاقتصاد إلى أعماق غير مسبوقة منذ أزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، بات من الضروري التراجع عن السياسة اليومية المبتذلة والاطلاع على لمحة من الصورة الأكبر. يتعين على الأوروبيين أن يسألوا أنفسهم أين كانوا وإلى أين يتوجهون في المرحلة التالية من رحلتهم.

Exclusive insights. Every week. For less than $1.

Learn More

قبل عشرين عاما، في 1998، أصبحت أسعار الصرف بين العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي ثابتة بلا تغيير استعدادا لتقديم اليورو. وفجأة، لم تعد دول أوروبا الجنوبية التي أشرفت على الإفلاس مضطرة إلى دفع علاوات فائدة ضخمة تتراوح بين 5 إلى 20 نقطة مئوية نسبة لألمانيا. وعلى هذا فقد شهدت منطقة جنوب أوروبا، التي اجتاحتها القروض الرخيصة، طفرة ازدهار اقتصادية ممولة بالاستدانة، والتي دفعت الأجور والأسعار إلى الارتفاع إلى عنان السماء. وفي نهاية المطاف تحولت الطفرة إلى فقاعة.

ثم، قبل عشر سنوات، انفجرت الفقاعة التي كانت تتطور في نفس الوقت في سوق الرهن العقاري الثانوي في الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى اندلاع الأزمة المالية العالمية، ثم في وقت لاحق انهيار الفقاعة في جنوب أوروبا. وفي ساعة الشدة، أفرطت دول جنوب أوروبا التي ابتلتها الأزمات في السحب المالي على أساس نظام الدفع الأوروبي، للاستعاضة عن القروض الخاصة التي لم تعد متاحة لها.

علاوة على ذلك، وفي محاولة لاحتواء هذا السحب على المكشوف، منحت دول شمال أوروبا لجيرانها في الجنوب عمليات إنقاذ مالية ضخمة. ولكن هذه الأموال لم تكن كافية، الأمر الذي دفع البنك المركزي الأوروبي للتدخل بتقديم ضمانات غير محدودة لدائني جنوب أوروبا، وكل هذا على حساب دافعي الضرائب في منطقة اليورو.

بطبيعة الحال، عملت ضمانات البنك المركزي الأوروبي على تشجيع الدائنين على مد الدول المبتلاة بالأزمات بالمزيد من الائتمان، مما ساعد في إنقاذ استثمارات الدائنين السابقين. وقد رحب الدائنون المحميون من مختلف أنحاء العالَم، بما في ذلك شمال أوروبا. وكانت البنوك الفرنسية هي الأكثر تعرضا لدول جنوب أوروبا المتعثرة، فكانت بالتالي الأكثر استفادة من الإنقاذ.

ولكن كان لزاما على الدائنين أن ينزفوا هم أيضا. فهم لم يحصلوا على أي فائدة تقريبا على أصولهم، وبلغت خسائر الفوائد التي تكبدوها على القروض لجنوب أوروبا عِدة مئات من المليارات من اليورو.

وبلغت مبادرات الإنقاذ من جانب البنك المركزي الأوروبي ذروتها بتقديم التيسير الكمي، والذي بموجبه اشترت البنوك المركزية التابعة للنظام الأوروبي 2.3 تريليون يورو (2.8 تريليون دولار أميركي) في هيئة أوراق مالية باليورو مطبوعة حديثا ــ بما في ذلك سندات حكومية بقيمة 1.8 تريليون يورو ــ في الفترة من 2015 إلى 2017.

في واقع الأمر، كان برنامج التيسير الكمي بمثابة عملية ضخمة لإعادة هيكلة الديون. وكان المستفيد الأكبر دول جنوب أوروبا، التي باعت حصة ضخمة غير متناسبة من سنداتها الحكومية لمستثمرين أجانب لتمويل عجزها الضخم في الحساب الجاري في السنوات العشر التي سبقت الأزمة المالية العالمية.

وقد عمل برنامج التيسير الكمي ضمنا من خلال صفقات ثلاثية. فكانت دول جنوب أوروبا قادرة على استرداد سنداتها الحكومية المورقة لأن المستثمرين العالميين استعاضوا عن تلك السندات بأصول في ألمانيا، وبدرجة ما أيضا في هولندا، وعدد قليل من دول منطقة اليورو الأخرى. وبدورهم، تلقى بائعو هذه الأصول اليورو، ومن ثَم مطالبات ضد بنوكهم المركزية الوطنية. وتلقت البنوك المركزية ذاتها ما يسمى مطالبات التعويض تارجت ضد البنوك المركزية في جنوب أوروبا، والتي كانت مضمونة من نظام اليورو.

بحلول عام 2017، بلغ مجموع السحب على المكشوف بموجب تارجت والمستحق لصالح البنك المركزي الألماني فقط نحو 907 مليار يورو. ومع ذلك فإن مطالبات تارجت المستحقة للبنك المركزي الألماني لا قيمة لها في الأساس، لأن المطالبة باستردادها أمر غير وارد على الإطلاق، كما أنها تصدر بسعر فائدة يحدده المدينون، الذين يشغلون أغلبية مقاعد مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي. وقد حددوا سعر الفائدة في الوقت الحاضر عند مستوى الصِفر.

في إطار نظام بريتون وودز، الذي كان حتى أوائل سبعينيات القرن العشرين يربط العملات بسر الذهب، كانت ألمانيا لتحصل على 19 ألف طن من الذهب (استنادا إلى الأسعار عند نهاية 2017) على هذه المطالبات. وهذا يعادل نحو خمسة أضعاف ما تراكم لديها فعليا بموجب ذلك النظام (4000 طن). وتمثل مطالبات البنك المركزي الألماني بموجب تارجت، والتي تبلغ 907 مليار يورو، نحو نصف صافي الثروة الأجنبية التي تراكمت لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية حتى يومنا هذا من خلال فوائض التصدير.

من منظور المراقبين في عام 2028، سوف يُذكَر العقد الذي بدأ في عام 2018 بوصفه العقد الذي بدأ فيه الساسة الأوروبيون يتنازلون عنن مطالبات تارجت أو يخفضونها من خلال تحويلات من الشمال إلى الجنوب. وسوف تكون مثل هذه التحويلات مدفوعة بتدابير دعا إليها بالفعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من أجل تعزيز الظهير الساحلي لبلاده في الجنوب، والتي أيدها بالفعل الائتلاف الكبير المؤقت الجديد في ألمانيا (مع إدخال تعديلات طفيفة). بموجب خطة ماكرون المقترحة، تتقلص مطالبات وخصوم تارجت بمقدار يورو واحد في مقابل كل يورو محول من دول الشمال إلى دول جنوب أوروبا.

سوف يكون العقد المقبل فرصة مناسبة بشكل خاص لإنشاء اتحاد التحويل، نظرا للأزمة الديموغرافية التي تلوح في الأفق والتي تهدد أغلب الدول الأوروبية، باستثناء فرنسا. وبعد تقاعد الأشخاص المنتمون إلى طفرة المواليد، فسوف تخلو خزائن الحكومة في الفترة من 2028 إلى 2038. وهذا يعني أن أي شخص يحاول الاستفادة من موارد دافعي الضرائب في شمال أوروبا يتعين عليه أن يسارع إلى القيام بذلك، قبل أن يفوت الأوان. أسرع يا سيدي الرئيس!

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/TqIo2zv/ar;

Handpicked to read next