8

عملية الإنقاذ السرية في أوروبا

ميونيخ ــ في حين يستسلم العالم للقلق بشأن دونالد ترامب، والخروج البريطاني، وتدفق اللاجئين من سوريا وغيرها من الدول التي مزقتها الحروب، يواصل البنك المركزي الأوروبي العمل بلا انقطاع وتحت الرادار الشعبي على خطة إعادة هيكلة الديون ــ المعروفة أيضا ببرنامج التيسير الكمي ــ لتخفيف العبء المفروض على دول منطقة اليورو المثقلة بالديون.

بموجب برنامج التيسير الكمي للبنك المركزي الأوروبي الذي بدأ في مارس/آذار 2015 (ومن المرجح أن يمتد إلى ما بعد نهايته المقررة في مارس 2017)، تشتري البنوك المركزية الأعضاء في منطقة اليورو أوراقا مالية في الأسواق الخاصة بقيمة 1.74 تريليون يورو (1.84 تريليون دولار أميركي)، مع تخصيص أكثر من 1.4 تريليون يورو لشراء الديون الحكومية للدول الأعضاء.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ويبدو برنامج التيسير الكمي متكافئا، لأن كل بنك مركزي يعيد شراء ديون حكومته بما يتناسب مع حجم البلد. ولكنه لا يخلف تأثيرا متماثلا، لأن الدين الحكومي من دول جنوب أوروبا، حيث تراكمت الديون وعجز الحساب الجاري من الماضي، يُعاد شراؤه في الخارج غالبا.

على سبيل المثال، يعيد بنك أسبانيا شراء السندات الحكومية الأسبانية من مختلف أنحاء العالم، وبالتالي تخفيض ديون الدولة في مقابل الدائنين من القطاع الخاص. ولتحقيق هذه الغاية، يطلب البنك من البنوك المركزية في دول منطقة اليورو الأخرى، وخاصة البنك المركزي الألماني وفي بعض الحالات البنك المركزي الهولندي، التصديق على أوامر الدفع لبائعي السندات الألمانية والهولندية. وفي كثير من الأحيان، قد يطلب من البنك المركزي الأوروبي التصديق على أوامر الدفع إذا كان بائعو سندات الحكومة الأسبانية من خارج منطقة اليورو.

في الحالة الأخيرة، كثيرا ما يؤدي هذا إلى معاملات ثلاثية، حيث يحول البائعون المال إلى ألمانيا أو هولندا للاستثمار في الأوراق المالية ذات الفائدة الثابتة، أو الشركات، أو أسهم الشركات. وبالتالي، يُصبِح لزاما على البنك المركزي الألماني والبنك المركزي الهولندي التصديق ليس فقط على أوامر الدفع المباشرة من أسبانيا بل وأيضا الأوامر غير المباشرة الناتجة عن عمليات إعادة الشراء التي ينفذها البنك المركزي الأسباني في دول ثالثة.

تُسَجَّل التصديقات على أومر الدفع التي يمنحها البنك المركزي الألماني والبنك المركزي الهولندي باعتبارها مطالبات بموجب نظام "تارجت" ضد نظام اليورو. وفي نهاية سبتمبر/أيلول، بلغ إجمالي هذه المطالبات 819.4 مليار يورو، كان نصيب البنك المركزي الألماني فيها 715.7 مليار يورو، أو نحو 46% من صافي أصول ألمانيا الخارجية في منتصف العام. ومنذ بداية هذا العام، ازداد مجموع مطالبات البلدين بنحو 180.4 مليار يورو، أو نحو 20 مليار يورو شهريا في المتوسط. وعلى العكس من ذلك، بلغت ديون دول جنوب أوروبا ــ اليونان، وإيطاليا، والبرتغال، وأسبانيا ــ نحو 816.5 مليار يورو بموجب تارجت.

في نظر اليونان وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا، تشكل هذه المعاملات صفقة رائعة. إذ أنها تمكنها من إبدال الديون الحكومية ذات الفوائد وآجال الاستحقاق الثابتة والتي يحملها مستثمرون من القطاع الخاص بديون بنوكها المركزية ــ وهي المؤسسات التي تعتبرها معاهدة ماستريخت شركات ذات مسؤولية محدودة لأن الدول الأعضاء ليست ملزمة بإعادة رسملتها عندما تصبح مثقلة بالديون ــ المسجلة على دفاتر تارجت والتي هي (حاليا) بلا فائدة ولا تسدد أبدا.

وإذا حدث الانهيار وتركت هذه البلدان اليورو، فمن المرجح أن تفلس بنوكها المركزية الوطنية لأن قدرا كبيرا من ديونها مقوم باليورو، في حين سيجري تحويل مطالباتها ضد الدول والبنوك المعنية إلى العملة الجديدة المخفضة القيمة. وبهذا تتلاشى في الهواء كل مطالبات تارجت ضد ما يتبقى من نظام اليورو، ولن يملك البنكان المركزيان الألماني والأسباني سوى الأمل في مشاركة البنوك المركزية الناجية في الخسائر. وبحلول ذلك الوقت، سوف يلاحظ بائعو الأصول الألمانية والهولندية الذين يحملون الآن أموال البنك المركزي أن أرصدتهم تحولت إلى مطالبات ضد بنوك بلدانهم المركزية التي لم تعد مغطاة.

Fake news or real views Learn More

لا ينبغي للمرء أن يفترض أن أي شخص قد يسعى بنشاط إلى إحداث انهيار. ولكن في ضوء المفاوضات ــ التي من المقرر أن تبدأ في عام 2018 ــ بشأن الاتحاد المالي الأوروبي (وهو ما يعني ضمنا تحويلات منتظمة من شمال الاتحاد الأوروبي إلى جنوبه)، لن يقع الضرر إذا علمت كل من ألمانيا وهولندا ماذا قد يحدث إذا لم توقع على معاهدة محتملة. في ظل الظروف الحالية، ربما يوافق البلدان في الأرجح على إقامة اتحاد مالي، ولو لم يكن ذلك إلا لأنه كفيل بتمكينهما من إخفاء خسائر الشطب المتوقعة في اتحاد التحويل الأوروبي، بدلا من الكشف عن هذه الخسائر الآن.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali