3

الاقتصاد المستقل المتطور

بيركلي ــ لم يَعُد العمل بدوام كامل لصالح صاحب عمل واحد المعيار المعمول به في الاقتصادات المتقدمة. فبدلا من ذلك، يبيع الملايين من "العمال المستقلين" ــ الذين يعملون لحسابهم الخاص، أو المستقلين، أو الموظفين المؤقتين ــ عملهم وخدماتهم ومنتجاتهم من خلال المنصات الرقمية لعدد كبير من أرباب العمل أو العملاء.

وتَعِد الحصة المتنامية من العمل المستقل، والذي ينطوي عادة على ساعات عمل مرنة، بجلب مكاسب اقتصادية كلية كبيرة، من خلال زيادة معدلات المشاركة في قوة العمل، وزيادة العدد الإجمالي من ساعات العمل، والحد من البطالة. ولكن "اقتصاد العمل المرن" يخلق أيضا تحديات جديدة معقدة في ما يتصل بالسياسات الضريبية، والتنظيم، والقدرة على الوصول إلى الفوائد والحماية الاجتماعية التي كانت تتوفر عادة من خلال العلاقة التقليدية بين صاحب العمل والموظف.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

تشير دراسة أجراها معهد ماكينزي العالمي إلى أن ما يصل إلى 162 مليون شخص في مختلف أنحاء الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي-15، منخرطون حاليا في شكل من أشكال العمل المستقل. واستنادا إلى دراسة استقصائية تمثيلية على الإنترنت شملت 8000 عامل في ست دول (بما في ذلك الولايات المتحدة)، وجدت دراسة ماكينزي أن 10% إلى 15% ــ بما في ذلك الطلاب والمتقاعدين ومقدمي الرعاية المنزلية، وأولئك الذين يعملون في وظائف تقليدية ــ يمارسون مثل هذا النوع من العمل لتكميل دخلهم.

تتحدى النتائج التي توصلت إليها دراسة ماكينزي العديد من المعتقدات الشائعة حول العمل المستقل. فأولا، لا يهيمن الشباب على قوة العمل المستقلة: إذ يمثل من هم تحت سن 25 عاما 25% فقط من العاملين المستقلين. كما تتنوع قوة العمل المستقلة أيضا من حيث مستويات الدخل، والتعليم، والجنس، والمهنة، والصناعة.

وعلاوة على ذلك، يمارس 70% إلى 75% من العمال المستقلين أعمالهم باختيارهم، وليس بدافع الضرورة ــ وهو الاكتشاف الذي يتسق مع نتائج توصلت إليها دراسات أخرى حديثة. والواقع أنه برغم أن 40% إلى 55% من العاملين من ذوي الدخل المنخفض (الذين يكسبون 25 ألف دولار أميركي أو أقل سنويا) يزاولون أعمالا مستقلة، فإنهم يمثلون أقل من 25% من كل العمال المستقلين. وذَكَر نحو الثلث فقط من المستجيبين للاستطلاع أنهم يعتمدون على العمل المستقل لأنهم لا يستطيعون العثور على وظائف تقليدية أو لأنهم يحتاجون إلى دخل إضافي لتغطية نفقاتهم.

ولكن تظل الأقلية تشكل عددا كبيرا من الناس. فتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 مليون أميركي وأوروبي يزاولون أعمالا مستقلة بدافع الضرورة، وأكثر من 20 مليونا يعتمدون على العمل المستقل باعتباره المصدر الأساسي للدخل. وأغلبهم من العمال من ذوي الدخل المنخفض الذين كانوا ليصبحوا لولا ذلك عاطلين عن العمل. ويشير هذا إلى أن النمو الاقتصادي الأقوى ــ وبالتالي نمو الوظائف ــ من شأنه أن يقلل من عدد العمال الذين يزاولون أعمالا مستقلة.

ولكن بصرف النظر عن ظروف الاقتصاد الكلي، من المرجح أن يمثل العمل المستقل حصة متزايدة من العمل في الأمد البعيد، وذلك نظرا للتقدم التكنولوجي والتفضيلات الفردية. ورغم أن منصات العمل المستقل الرقمية لا تزال في مراحل مبكرة من تطورها، ولا يستخدمها سوى 15% من العمال المستقلين، فإنها تنتشر وتتوسع بسرعة. وتشير تقديرات دراسة ماكينزي إلى أن 30% إلى 45% من السكان في سن العمل يفضلون كسب دخلهم، سواء كان أساسيا أو ثانويا، من العمل المستقل.

يفرض هذا الاتجاه تحديات ويقدم فرصا لصناع السياسات، والعمال، وأصحاب العمل. وينبغي لصناع السياسات أن يعكفوا على جمع بيانات أفضل عن قوة العمل المستقلة من خلال دراسات المسح المنتظمة. كما يتعين عليهم أن يعملوا على تحديث التصنيفات الفئوية للعمال المستقلين، من أجل تكييف الضرائب، والقواعد التنظيمية، والفوائد وسبل الحماية (بما في ذلك قوانين مكافحة التمييز والحد الأدنى للأجور) وفقا لذلك. ذلك أن قضايا السياسات العامة الخاصة بالمهنيين من ذوي المهارة العالية والذين يعملون كوكلاء مستقلين ليست هي ذات القضايا التي ترتبط بالعمال من ذوي المهارات المتدنية والذين يبيعون خدماتهم من خلال منصات رقيمة ضخمة مثل أوبر.

ربما يمثل تحديث عملية توفير وتسليم الفوائد الاجتماعية تحديا بشكل خاص. وتتناول بعض الدول الأوروبية القضية من خلال خلق تصنيفات جديدة للعمل، في ظل أنظمة جديدة للفوائد الاجتماعية. فيميز القانون البريطاني بين الموظفين التقليديين و"العمال" الذين يستحقون بعض حقوق الموظفين فقط.

وفي الولايات المتحدة هناك اهتمام متزايد بإنشاء نظام من الفوائد المحمولة التناسبية ــ مثل البطالة والتأمين ضد العجز ومعاشات التقاعد ــ التي ترتبط بالعمال وليس أصحاب العمل. ويتمثل خيار آخر في الولايات المتحدة في النقابات أو المنظمات الجماعية الجديدة من العمال، للتفاوض على شروط عقود العمل المستقل وتتبع وتنظيم الفوائد للعمال الذين يخدمون عددا كبير من العملاء وأصحاب العمل. والواقع أن أنظمة مماثلة معمول بها بالفعل في صناعات البناء والترفيه.

كما يحظى أصحاب المشاريع بالفرص لخلق منتجات وخدمات جديدة مصممة خصيصا لتلبية احتياجات قوة العمل المستقلة، والتي قد تتضمن توفير المساحات المكتبية المشتركة، والحلول المالية التي تعمل على تذليل الدخل بين مهام العمل المختلفة، والبرامج التدريبية، وإنشاء وثائق تفويض معترف بها على نطاق واسع لتمكن العمال المستقلين من دفع فرص عملهم ودخلهم إلى الأمام.

ومن جانبهم، يحتاج أرباب العمل إلى معرفة متى يمكن الاعتماد على المواهب الداخلية ومتى يتعين عليهم الاستعانة بعمال مستقلين. وسوف تؤثر عوامل كثيرة على هذا القرار، بما في ذلك التكلفة، والجودة، والإنتاجية، وأمن المعلومات السرية.

وأخيرا، هناك مسؤولية العمال أنفسهم عن اكتساب المزيد من السيطرة على مستقبلهم المهني، والبحث عن الفرص وتطوير المهارات المتباينة لتجنب الانزلاق إلى مجمع من المواهب العامة المتدنية الأجر أو إزاحة الآلات الذكية لهم. وقد يكون هذا هو العنصر الأكثر أهمية في تحول سوق العمل الناشئة: والعمال هم القوة الدافعة وراء ذلك.

بطبيعة الحال، لعبت التكنولوجيات الرقمية أيضا دورا بالغ الأهمية في تيسير صعود العمل المستقل. إذ كانت المنصات الرقمية مثل اير بي إن بي (Airbnb)، وإتسي (Etsy)، وأوبر (Uber) حاسمة في الحد من الاحتكاك وزيادة شفافية الأسواق التي تدعم العمل المستقل. ويظل الإبداع في هذا المجال قويا.

ولكن مستخدمي هذه المنصات هم الذين يعيدون تشكيل سوق العمل حقا. فبمساعدة التكنولوجيات الرقمية، يدفعون مصلحتهم الشخصية في تحقيق المزيد من الكسب، في حين يستفيدون من ترتيبات العمل الأكثر مرونة.

Fake news or real views Learn More

سوف تمثل النتيجة المحتملة لهذا الاتجاه تحولا من نموذج تنظيم الأعمال القديم ــ حيث يؤدي أغلب العمال وظائف متخصصة لصاحب عمل منفرد في ظل تسلسل هرمي صارم ــ إلى نموذج يتمحور حول منظمات مرنة تعتمد على شبكة طليقة من مقدمي العديد من المهام من الخارج. بيد أن مدى نفع هذا النظام الجديد أو ضرره للعمال وأصحاب العمل والاقتصادات سوف يتوقف على الكيفية التي تتصدى بها كل القوى الفاعلة ذات الصِلة للتحديات المتأصلة في هذا التحول.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel