21

ريتشارد دوكينز ووهم القانون

آكس أون بروفانس ــ يُعَد ريتشارد دوكينز أحد العقول العظيمة في عصرنا؛ غير أنه في مذكراته التي نشرت مؤخراً بعنوان "شمعة قصيرة العمر في الظلام: حياتي في العلوم"، يلاحظ أن العقول العظيمة كثيراً ما تخطئ عندما تترك مجال خبرتها. ويستشهد دوكينز بالفلكي الكبير فريد هويل، الذي كان كتابه "طبيعة الكون" بمثابة قراءة أساسية قبل نصف قرن من الزمن. فعندما تحول هويل إلى علم الأحياء، ضل الطريق. وقد حدث نفس الشيء مع دوكينز عندما تحول من العلم إلى القانون.

ينظر دوكينز إلى القانون باعتباره لعبة "شد الحبل". فيقول على سبيل المثال إن أحد الأطراف ربما يسوق أقوى الحجج في دعم اقتراح ما "سواء كان مُصَدقاً له أو لم يكن"، ويدفع الطرف المقابل لشخص ما لكي يسوق أقوى الحجج المضادة. وتتوقف النتيجة على من يفوز بلعبة شد الحبل. وهو يعتقد أن المحامين ربما يصبحون أكثر "صدقاً وإنسانية" إذا جلسوا معاً ونظروا في الأدلة وحاولوا التوصل إلى ما حدث بالفعل".

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

الواقع أن حجة دوكينز تشوبها ثلاث مغالطات شائعة. وربما نسمى الأولى "مغالطة الجريمة". فكما هي حال كثير من الناس، أول ما يتبادر إلى ذهن دوكينز عندما يفكر في القانون هو القانون الجنائي. تشغل المحاكمات الجنائية حيزاً كبيراً من المخيلة العامة، ولكنها لا تشكل في واقع الأمر سوى خلية واحدة في جسم القانون المعقد. والواقع أن أغلب المحامين والقضاة لا يدخلون محكمة جنائية أبدا.

والثانية هي "مغالطة الذنب". يشعر دوكينز بصدمة عميقة عندما يكتشف أن شخصاً ما ارتكب عملاً غير قانوني ربما تعتبره المحكمة غير مذنب. تخلط مغالطة الذنب هنا بين "الذنب" كمفهوم قانوني وارتكاب فعل محظور. فارتكاب المرء لفعلة ما هي مسألة واقع، أما كون المرء "مذنبا" فهي مسألة قانون. فربما نفذ شخص ما فِعلة ما، ولكنه يُعَد أمام القانون "غير مذنب" ــ تماماً كما قد يُعَد أمام القانون "مذنبا" حتى برغم أنه لم يفعل شيئا.

ويصيب هذا دوكينز بالحيرة، كما يصيب كثيرين غيره. ذلك أن "الإدانة بالذنب" تعني أن الدولة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك المعقول أن المتهم ارتكب الفِعل. وإذا عجزت الدولة عن إثبات ذلك دون أي قدر من الشك المعقول، فإن المتهم يُعَد "غير مذنب" في هذه الحالة ــ بصرف النظر عن ارتكابه للفعل أو عدم ارتكابه له.

وإذا خفضت الدولة عبء الإثبات ــ "دون أي شك معقول" ــ ولنقل إلى مستوى "رجحان الأدلة"، كما هي الحال في القضايا المدنية، فأن مهمة الدولة تصبح أسهل. ولكن برغم أن هذا من شأنه أن يفضي إلى إصدار عدد أكبر من أحكام "الإدانة" ضد أولئك الذين ارتكبوا الجرائم بالفعل، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى إدانة عدد أكبر من الأبرياء. الواقع أن الافتراض الأساسي الذي يبدو أن دوكينز يفشل في استيعابه واضح وصريح: فالسماح بإطلاق سراح عشرة مجرمين أفضل من إدانة شخص واحد بريء. والحق أن قروناً من التاريخ القانوني تبين لنا أن هذا النظام، وإن كان بعيداً عن الكمال، هو الأكثر عدلاً بين كل ما تمكن البشر من ابتداعه.

وتتلخص مغالطة دوكينز الثالثة والأكثر جوهرية في وهم مفاده أن القانون يتعلق بالحقيقة ــ أو "ما حدث حقا" على حد تعبيره. واسمحوا لي أن أطلق على هذا وصف "مغالطة الحقيقة". فهنا يستغرق دوكينز في الضلال. إن الهدف من القانون، على عكس الهدف من العلم، ليس تقرير الحقيقية؛ بل يتلخص هدف القانون الأساسي في الحد من النزاع. وقد لخص قاضي المحكمة العليا في الولايات المتحدة لويس برانديس هذا الفهم على النحو التالي: "في أغلب المسائل يكون الأمر الأكثر أهمية هو تسوية القاعدة القانونية المعمول بها وليس تسويتها على الوجه الحق". فحتى القرار الخاطئ أو "الظال��" قد يفضي إلى إنهاء النزاع.

وفقط عندما يعجز أطراف نزاع ما عن التوصل إلى اتفاق يحاول القاضي اكتشاف "ما حدث حقا". ويسمي المحامون هذا عملية تقصي الحقائق، والتي تتسم بالمقايضة: فاكتشاف ما حدث حقا، خلافاً لإنهاء النزاع، قد يكون مكلفا.

وتنبئنا المقارنة بين القانونين الأميركي والفرنسي بالكثير في هذا الصدد. فالقانون الأميركي يستعين بعملية دقيقة مفصلة لتقصي الحقائق تسمى "الاكتشاف". وفي المنازعات المدنية الفرنسية، على النقيض من ذلك، لا توجد شهادة شفوية مع الاستجواب المتبادل للشهود. فكل الأدلة مكتوبة. ويجمع المحامون كل ما يمكنهم التوصل إليه من أدلة مكتوبة ويقدمونها للقاضي، الذي يتخذ القرار بعد ذلك. وفي القضايا حيث يتوجب معاينة شيء ما ــ بناية ما على سبيل المثال ــ يعين القاضي الفرنسي "خبيرا" لكي يذهب إليها ويعاينها ثم يقدم تقريراً مكتوبا.

ويُعَد النظام القانوني الأميركي أفضل في التوصل إلى ما حدث حقا، ولكن تكلفته العالية تجعل قسماً كبيراً من الناس عاجزين عن اللجوء إلى المحاكم. أما النظام الفرنسي فهو يزود عامة الناس بفرصة أكبر للوصول إلى المحاكم، ولكن احتمالات توصله إلى ما حدث حقاً أقل ترجيحا.

Fake news or real views Learn More

إن الركن الأساسي في القانون هو التناغم الاجتماعي، ويمكننا تعريف الغرض المطلق من القانون بأنه تعزيز السعادة الاجتماعية، وهو مستوى أعلى من مجرد التناغم أو الانسجام. وقد وجد دوكينز السعادة في العلم؛ وقد أصبحنا جميعاً أكثر ثراءً بفضل مساهمته. ولكن إذا حكمنا من خلال مذكراته، فربما يكون بوسعنا أن نقول أيضاً إننا محظوظون بنفس القدر لأنه لم يزاول مهنة القانون.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali