15

نظرة إلى الاقتصاد من خلال دماغ البشر

كمبريدج ــ في كتابه المبدع الصادر في عام 2005 بعنوان "عن الذكاء"، اقترح جيف هوكينز نموذجاً بديلاً للكيفية التي يعمل بها الدماغ البشري. والدماغ وفقاً لرؤيته هذه ليس عبارة عن آلة تورنج التي تعالج الرموز وفقاً لجدول ثابت من القواعد، وهو النموذج الذي قامت عليه أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي. فالدماغ بدلاً من ذلك عبارة عن ذاكرة هرمية عملاقة تسجل على نحو لا ينقطع كل ما تلاحظه وتعيه وتدركه ثم تتوقع ما سيحدث لاحقا.

ويكَوِّن الدماغ التوقعات من خلال إيجاد أوجه التشابه بين الأنماط في المدخلات الحسية الحديثة والخبرات السابقة المخزنة في ذاكرته الشاسعة. وهو أشبه بأصوات مجزأة حالية في بحر من الضوضاء لأغنية معروفة، أو وجه شخص متنكر بقناع لوجه طفلك. والفكرة مماثلة لوظيفة الإكمال التلقائي في مربع جوجل للبحث على سبيل المثال ــ حيث يخمن على نحو مستمر الحرف التالي الذي ستُدخِله استناداً إلى ما كتبته من حروف بالفعل.

ولكي تفهم التسلسل الهرمي في هذه الآلية، فلتأخذ بعين الاعتبار أنك من خلال إدراك بضعة أحرف قليلة، يمكنك أن تتوقع معنى الجملة، أو حتى الفقرة. ولابد أنك الآن تخمن إلى أين يقودك هذا التعليق بأكمله. إن التسلسل الهرمي يسمح لك بفهم المعنى، سواء وصل المدخل إلى دماغك عن طريق القراءة أو الإنصات. وبالتالي فإن الدماغ عبارة عن آلة استقرائية تتكهن بالمستقبل استناداً إلى إيجاد أوجه التشابه، على العديد من المستويات المختلفة، بين الحاضر والماضي.

الواقع أن نموذج هوكينز البديل للكيفية التي يعمل بها الدماغ له انعكاسات مهمة على العديد من المجالات، بما في ذلك المجال الذي أنفق أغلب وقتي في التفكير فيه: استراتيجية التنمية الاقتصادية.