3

ثورة في الخواء

مدريد ــ لعل الحرب الباردة انتهت، ولكن التنافس بين القوى العظمى عاد من جديد. ونتيجة لهذا فإن قدرة المجتمع الدولي على التوحد في مواجهة التحديات العالمية الكبرى تظل منقوصة كحالها في أي وقت مضى.

تتجلى هذه الحقيقة بأعظم قدر من الوضوح في الحالة السورية. فالخطة التي كان من المفترض أن تشكل جهداً منسقاً لحماية المدنيين من القمع الوحشي ومحاولة لدفع عجلة التحول السلمي ــ الخطة التي وضعها الأمين العام السابق للولايات المتحدة كوفي أنان ــ تدهورت الآن لكي تتحول إلى حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا.

ويسعى زعماء روسيا (والصين) إلى دعم نظام دولي يعتمد على كفالة السيادة غير المشروطة للدول ويرفض حق التدخل الإنساني الذي استحدثه الغرب. وخوفاً من تسبب الثورات العربية في تحول الأقليات المكظومة إلى التطرف، يرفض زعماء روسيا السماح باستخدام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كوسيلة لتعزيز التغيرات الثورية في العالم العربي. والواقع أن سوريا، التي تُعَد آخر مركز أمامي لروسيا في الحرب الباردة، تشكل أحد الأصول التي لن يتردد الكرملين في بذل قصارى جهده للحفاظ عليه.

ولكن روسيا والصين لا تمثلان المشكلة الوحيدة. فقد كانت الديمقراطيات الناشئة الكبرى مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا مُحبِطة بشكل خاص في استجابتها للربيع العربي. فالكل نصير صريح لحقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بإدانة أي هجوم دفاعي إسرائيلي على غزة باعتباره "إبادة جماعية"، ولكن هذه البلدان ذاتها لا تقل عن ذلك توحداً في معارضة أي تحرك من جانب مجلس الأمن فيما يخص سوريا، رغم بلوغ القمع هناك مستويات غير عادية من الترويع. ويبدو أن الانتفاضات العربية إما اصطدمت بالتزام هذه الدول بحرمة السيادة الوطنية، أو كانت سبباً في تأجيج مخاوفها من أن يتحول "التدخل الإنساني" إلى مجرد أداة أخرى يفرض بها الشمال هيمنته.