39

عودة الألماني البغيض

برلين ــ خلال الليلة الطويلة من المفاوضات بشأن اليونان في الثاني عشر إلى الثالث عشر من يوليو/تموز، تَصَدَّع شيء ما في أساسات الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين كان الأوروبيون يعيشون في اتحاد الأوروبي من نوع مختلف.

وما تغير في تلك الليلة كان ألمانيا التي عرفها الأوروبيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فعلى السطح، كانت المفاوضات تدور حول تجنب خروج اليونان من منطقة اليورو والعواقب الوخيمة التي سوف يخلفها ذلك على اليونان والاتحاد النقدي. ولكن ما كان على المحك، على مستوى أعمق، هو الدور الذي تلعبه في أوروبا الدولة الأكثر سكاناً والأقوى اقتصاداً في القارة.

كانت عودة ألمانيا إلى الظهور بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة ترسيخها لثقة العالم (والتي توجت بقبول إعادة توحيد شطري ألمانيا بعد نحو 45 عاما)، مبنية على ركائز السياسة المحلية والخارجية المتينة. ففي الداخل، سرعان ما نشأ نظام ديمقراطي مستقر يقوم على حكم القانون. وكان النجاح الاقتصادي الذي حققته دولة الرفاهة في ألمانيا بمثابة النموذج لأوروبا. وكان استعداد الألمان لمواجهة جرائم النازي، بلا تحفظ، داعماً لتشككهم العميق الجذور في كل ما هو عسكري.

وفي مجال السياسة الخارجية، أعادت ألمانيا بناء الثقة من خلال احتضان التكامل الغربي والطابع الأوروبي. وبات من الواضح أن القوة التي تنتمي إلى قلب أوروبا لا ينبغي لها أن تتحول مرة أخرى أبداً إلى تهديد للقارة ذاتها. وبالتالي فإن هدف الحلفاء الغربيين بعد عام 1945 ــ على عكس ما كان منهم بعد الحرب العالمية الأولى ــ لم يكن عزل ألمانيا وإضعافها اقتصادية، بل حمايتها عسكرياً ودمجها بقوة في الغرب سياسيا. والواقع أن تصالح ألمانيا مع عدوتها اللدودة فرنسا يظل الأساس الذي يقوم عليه الاتحاد الأوروبي اليوم، وهو ما ساعد في إدماج ألمانيا في السوق الأوروبية المشتركة، والتطلع إلى توحيد أوروبا سياسياً في نهاية المطاف.