0

التعددية الدينية في عصر التعددية

كان انتخاب البابا بينيدكت السادس عشر والحرب ضد الإرهاب من الأسباب التي جلبت اهتماماً غير مسبوق بالدور الذي يلعبه الدين في العالم. ولقد نشأ اهتمام خاص
(في حالة الإسلام على وجه التحديد) بالرد على التساؤل الذي أثير حول ما إذا كانت بعض التعاليم الدينية المحددة متوافقة مع مؤسسات وقيم الديمقراطية الليبرالية. لكن اقتصار التركيز على المعتقدات والممارسات يؤدي إلى إغفال سؤال قد يكون أكثر أهمية إلى حد بعيد: كيف تُـعْـتَـنَق المبادئ والتعاليم الدينية وكيف تُـمَـارَس؟

على الرغم من كم الأدلة الهائل الذي يثبت العكس، إلا أن العديد من الناس ـ حتى من غير علماء اللاهوت وأصول الدين ـ صاروا يخشون أن يكون العصر الذي نعيش فيه الآن عصراً علمانياً. ولكن بعيداً عن اتسام عصرنا بصفة العلمانية، فقد شهد هذا العصر عدداً ضخماً من حالات تفجر العواطف الدينية. إن العصر الحديث لا يقل تديناً عن أية فترة تاريخية سابقة، بل إنه في بعض الأماكن من العالم أكثر تديناً من عصور سابقة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

هناك استثناء من هذا التعميم، وهو استثناء جغرافي سياسي: فقد شهد غرب ووسط أوروبا انحداراً حقيقياً للدين، الذي أصبح مقوماً مهماً من مقومات الهوية الثقافية الأوروبية. أما الاستثناء الآخر فهو سيكولوجي، وهو يشمل فئة ضئيلة نسبياً من أهل الفكر على مستوى العالم، لكنها في الواقع فئة مؤثرة وذات نفوذ. ولقد أصبحت العلمانية في نظرهم لا تمثل حقيقة واقعة فحسب، بل صارت تشكل التزاماً إيديولوجياً بالنسبة لبعض أفراد هذه الفئة على الأقل.

إنها استثناءات، لكن ما تجلبه الحداثة على نحو يتعذر اجتنابه ليس العلمانية بل التعددية ـ أو التعايش السلمي بين مجموعات عرقية ودينية مختلفة في نفس المجتمع.

تعمل الحداثة على تقويض التجانس التقليدي بين الجماعات، بسبب الاحتكاك المستمر بين أفراد هذه الجماعات وأفراد من جماعات أخرى غريبة عنها، سواء على نحو مادي ملموس (من خلال التمدين والترحال)، أو على نحو "افتراضي" (من خلال انتشار المعارف الجماهيرية، والتواصل الجماهيري). ولقد صارت التعددية حقيقة سائدة من حقائق الحياة الاجتماعية والوعي الفردي، بفضل العولمة التي أدت إلى التعجيل بها وانتشارها وتعزيزها.

إن التعددية تعني على المستوى المؤسسي أن الديانات المعترف بها لم يعد بمقدورها أن تُـسَلِّم بأن قطاعاً ما من الناس سوف يخضع لسلطانها بلا عناء. وإذا ما كانت حرية ممارسة الدين من الحقوق المضمونة للناس ـ كما هو الحال في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية ـ فإن المؤسسات الدينية لا تستطيع الاعتماد على الدولة في اجتذاب الناس إليها وإخضاعهم لسلطانها.

وعوضاً عن ذلك، فلابد من إقناع الناس بقبول مثل هذا السلطان، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء شكل من أشكال السوق نستطيع أن نسميه السوق الدينية. وحتى إذا ما كانت بعض التعاليم الدينية ما زالت سائدة بين الأغلبية العظمى من مجموعة سكانية ما، فما زال بوسع الأفراد أن يختاروا الخروج من تبعيتهم للمؤسسة الدينية التي تمثل هذه التعاليم (كما هو الحال في بلدان أوروبا ذات الأغلبية الكاثوليكية).

وعلى مستوى الوعي الفردي فإن هذا يعني أن اكتساب اليقين الديني صار اليوم أكثر صعوبة. فالقرار الديني قد يكون نابعاً من التزام عاطفي (كما في "قفزة الإيمان" لدى كيركجارد )، أو قد يكون، على نحو أكثر شيوعاً، ناتجاً عن خيار استهلاكي ذي أولوية ضئيلة على المستوى العاطفي (كما يتضح من الجملة الأميركية المعبرة "حق الاختيار الديني").

وفي إيٍ من الحالتين يعكف الفرد على نفسه متأملاً في الأمر محاولاً فهم تعاليم دينه الأصلية والتصالح معها. وحتى إذا ما قرر فرد ما أن يتمسك بنسخة شديدة المحافظة من تعاليم دينه، فإن هذا القرار قد يكون عرضة للإلغاء، من حيث المبدأ على الأقل، في وقتٍ ما من المستقبل.

ونتيجة لهذا فإن التعددية تضغط على الكنائس حتى تتحول إلى طوائف دينية. والطائفة الدينية تحمل الخصائص المميزة للكنيسة، التي يولد الشخص تابعاً لها، لكن أفرادها يخلصون لها طواعية، كما أن الطوائف الدينية تؤمن بحق الطوائف الأخرى في الوجود.

ومن وجهة النظر المتصلة بمدى توافق الأديان مع الديمقراطية الليبرالية الحديثة، فربما كان تَـقَـبُل التعددية هو ما يميز بين الأديان على نحو أكثر وضوحاً من التمسك بمعتقدات وممارسات بعينها. ففي داخل المسيحية كان للبروتستانتية، لأسباب تاريخية معروفة، أفضلية نسبية فيما يتصل بالتكيف مع التعددية. كما تكيفت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بنجاح مع المنافسة التعددية بعد فترة طويلة من المقاومة الشرسة، فأضفت عليها الشرعية في تصريحاتها بشأن الحرية الدينية التي بدأت مع مجلس الفاتيكان الثاني. أما تقبل اقتصاد السوق فقد كان أكثر بطئاً، لكن ذلك أيضاً كان قد بدأ مع المنشور البابوي الصادر عن البابا الراحل يوحنا بولس الثاني .

أما المسيحية الأرثوذكسية الشرقية فهي قضية مختلفة. حيث أصبحت العلاقة بين الدين والدنيا تغذي مناقشة حماسية في كافة أنحاء العالم الإسلامي وإسرائيل، لكن فكرة "التآلف" الأرثوذكسية ـ أو الوحدة المنسجمة بين المجتمع، والدولة، والكنيسة ـ تشكل تحدياً خاصاً لمسألة قبول الديمقراطية الليبرالية. كما أن الأفكار الأرثوذكسية المتشابهة بشأن التضامن الطائفي (الترابط "sobornost" في روسيا) تجعل من تقبل الرأسمالية أمراً في غاية الصعوبة، حيث ينظر الناس إلى المنافسة والمغامرة التجارية وما إلى ذلك باعتبارها وسائل بغيضة تعبر عن القسوة والجشع.

سوف تتخذ الاستجابات للتحدي المتمثل في التعددية العالمية أشكالاً مختلفة في مناطق مختلفة من العالم الأرثوذكسي. وقد تُـبْـذل بعض الجهود لإعادة تأسيس شيء ما يشبه "التآلف" التقليدي، كما في روسيا؛ أو اعتناق "العلمانية الأوروبية"، كما في اليونان وقبرص ودول أخرى تدخل مدار الاتحاد الأوروبي (مثل رومانيا وبلغاريا قريباً، وأرمينيا وجورجيا في وقت لاحق)؛ أو التحرك نحو الاتحاد الطوعي، كما في الولايات المتحدة.

لكن التحدي الذي يواجه الأرثوذكسية يؤكد على الخيارات الثلاثة التي تواجهها كافة المجتمعات الدينية المعاصرة اليوم: مقاومة التعددية، أو الانسحاب منها، أو الانخراط فيها.
ولا يخلو أي من هذه الخيارات من المصاعب والمجازفات، لكن الانخراط في التعددية هو الخيار الوحيد المتوافق مع الديمقراطية الليبرالية. والانخراط في التعددية يعني طرح التعاليم الدينية للمناقشة الثقافية الحرة، كما يعني اضطرار أولئك الذين يمثلون هذه التعاليم الدينية إلى الإفصاح عن مزاعمهم بشأن الحقيقة، دونما شعور بالحاجة إلى الاعتذار أو التبرير.

Fake news or real views Learn More

ولسوف يقود هذا حتماً إلى هجمات "استقطابية"، وهو مصطلح أصبح يحمل قدراً كبيراً من الازدراء والانتقاص من قدر المرء. لكن الاستقطاب يعني فقط محاولة إقناع الآخرين بالحقائق التي يلتزم بها المرء. وعادة ما يعتبر هذا من الأمور الطبيعية في المجتمعات التي تتسم بالثقة في الذات. وبتعبير أكثر صراحة ووضوحاً، فبدلاً من التخوف بشأن الكاثوليك الرومانيين الذين "سيسرقون" أرواح الأرثوذكس، يتعين على الأرثوذكس أن يحاولوا سرقة أرواح الكاثوليك.

بعيداً عن ذلك، وفي عصر حيث أصبح اعتناق ديانة ما لابد وأن يكون مبنياً على الإقناع، فلابد وأن تتسم الديانات بقوة الاستقطاب داخل المجتمع ـ من خلال توضيح الحقائق والقيم ومواطن الجمال التي تتميز بها ـ حتى ولو أحجمت عن القيام بذلك خارج المجتمع. وإلا فإنها ستفقد أبناءها حتماً.