3

السكن في مقابل الموطن

كمبريدج ــ ذات يوم، قال بيتر دراكر، معلم الإدارة المالية الرائد، "ما لا يمكن قياسه لا يمكن القيام به". ولعله كان ليضيف أن ما يُقاس على نحو رديء يخرج في النهاية عملاً رديئا.

ولنتأمل هنا حال إسكان ذوي الدخول المنخفضة. إن أغلب البلدان النامية، والعديد من البلدان الغنية، يعَرِّفون العجز في المساكن وفقاً لعدد الأسر التي تعيش في وحدات سكنية تُعَد غير مقبولة. ولكن المقصود بتعبير "غير مقبول" يتباين إلى حد كبير من دولة إلى أخرى. فالمياه الجارية والصرف الصحي والتيار الكهربائي من الضرورات الأساسية في الأميركيتين، ولكنها ليست كذلك في الهند.

والمشكلة أن الناس لا يطالبون بمسكن؛ بل إنهم يطالبون بموطن. فالمسكن شيء؛ أما الموطن فهو عبارة عن عقدة في عدد كبير من الشبكات المتداخلة ــ مادية (الطاقة والمياه والصرف الصحي والطرق)، واقتصادية (النقل الحضري وأسواق العمل والتوزيع والبيع بالتجزئة والترفيه)، واجتماعية (التعليم والصحة والأمن والأسرة والأصدقاء). والقدرة على التوصيل بين كل هذه الشبكات تجعل الموطن عظيم القيمة.

فالمدن، على سبيل المثال، من الممكن أن تصبح مساحات عالية الإنتاجية، لأنها تسمح للناس بالجمع بين مهاراتهم المختلفة من أجل صنع شيء لا يستطيع أي منهم أن يصنعه بمفرده. والناس قادرون على تبادل معارفهم، والتعلم من بعضهم البعض، والتجارة في ما بينهم. والواقع أن رؤى جين جاكوبس في هذا الصدد، والتي نشرت قبل أكثر من أربعين عاما، تأكدت بفضل دراسات أحدث عهداً تم تلخيصها في كتب من تأليف إدوارد جليسر وإنريكو موريتي.