5

استراتيجية للنمو من أجل أوروبا

فرانكفورت ــ مع اقتراب بداية تنفيذ برنامج القروض اليونانية الثالث، حان الوقت لكي يبدأ القادة الأوروبيون التركيز على المستقبل. ولا يعني هذا التركيز على جدول أقساط ديون اليونان على مدى الأشهر القليلة القادمة، بل يعني الشروع في تنفيذ برنامج واسع النطاق للإصلاح الاقتصادي يجمع بين إصلاحات جانب العرض المعززة للنمو والجهود على جانب الطلب لدعم الاستثمار وخلق فرص العمل.

الواقع أن أسعار النفط المنخفضة، وسعر صرف اليورو الأكثر قدرة على المنافسة، واستخدام البنك المركزي الأوروبي الحكيم لمجموعته الكاملة من السياسات النقدية المثبتة للاستقرار النقدي ــ ناهيك عن حقيقة مفادها أن التهديد الذي يفرضه خروج اليونان تم تجنبه، على الأقل في الوقت الحال ــ كل هذا يوفر خلفية مواتية لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات الطموحة. وحتى البيئة السياسية قد لا تكون مشؤومة بقدر ما يُعتَقَد غالبا: فبرغم ارتفاع المشاعر المعادية لأوروبا على نحو مثير للقلق والانزعاج في العديد من البلدان ــ وخاصة تلك التي كانت الأكثر تضرراً بالأزمة ــ هناك توق ملموس بين الأوروبيين إلى الخروج من المنحدر الاقتصادي (والسياسي) الذي انزلقت إليه القارة.

وقد كشفت دراسة استطلاع أجرتها مؤسسة ماكينزي مؤخراً أن الأوروبيين لا يتطلعون إلى اقتصاد أكثر حيوية، ودخول أعلى، وخدمات عامة أفضل (وخاصة الرعاية الصحية والتعليم) فحسب، بل إنهم على استعداد أيضاً لقبول المقايضات، بما في ذلك ساعات عمل أطول وخفض مستويات الحماية الاجتماعية، لتحقيق هذه الغايات. فقد قال 91% من أصل 16 ألف مستجيب للاستطلاع إنهم يفضلون التغيير على الوضع الراهن، حتى إذا تطلب الأمر بعض التضحيات.

والحاجة ماسة إلى تغيير الوضع الراهن. فحتى الآن، لا يزال نصيب الفرد في الناتج الاقتصادي الأوروبي أقل كثيراً من مستويات عام 2008. وفي أغلب البلدان الأوروبية، يتجاوز إجمالي الديون السيادية العتبة التي حددها ميثاق الاستقرار والنمو (60% من الناتج المحلي الإجمالي). وقد تسببت قيود التعديل غير القابلة للنقل في إحداث حالة من انكماش الأجور الاسمية في ثمانية بلدان في غضون عامين على الأقل منذ عام 2008. وتظل معدلات البطالة مرتفعة بعناد.