5

المرسِل الحَذِر!

نيويورك ــ تُرى كم عدد رسائل البريد الإلكتروني في صندوق الوارد لديك؟ في عموم الأمر، كل من هذه الرسائل تشكل مهمة ــ مادة يتعين عليك أن تقرأها، أو استفسار يحتاج إلى رد، أو اجتماع يتعين عليك أن تضيفه إلى جدول أعمالك، أو فاتورة تدفعها، أو طلب عليك أن تجيبه أو ترفضه، أو حتى مشاركة من أحد الأصدقاء ينبغي لك أن تعرب عن إعجابك بها. وأيضاً هناك قائمة المهام التي يتعين عليك أن تقوم بها: رسائل الفيسبوك، وطلبات لينكدين، ورسائل تويتر المباشرة. وسواء كانت إحدى رسائل الشبكات الاجتماعية أو البريد الإلكتروني التقليدي، فإنها جميعها بنود لابد من التعامل معها ــ وكلها وضعها هناك أشخاص آخرون.

ولكن هل من العدل أن تضطر إلى إعطاء الأولوية لمثل هذه الأشياء، فتجمعها في مكان واحد، أو تتنقل فيما بينها؟ ولماذا تُثقِل على نفسك؟ ألا توجد وسيلة ما يمكن بها تحميل المرسلين بعض المسؤولية؟

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

الواقع أن هذا يحدث بالفعل، ولكن جزئيا. على سبيل المثال، تقرر شركة فيس بوك ماذا تريك. وأن تقرر من تتابع على تويتر (وبالتالي من يستطيع أن يوجه الرسائل إليك). وتتقاضى لينكدين رسوماً من الأشخاص الذين يرسلون أكثر من عدد معين من رسائل البريد الإلكتروني لتعريف الناس بهم، وتعاقب هؤلاء الذين يرسلون عدداً كبيراً من الرسائل غير المرحب بها. وتجري جوجل، وياهو، وميكروسوفت عملية غربلة للبريد المزعج باستخدام كل شيء بداية من تحليل المحتوى إلى سلوك المرسل إلى سبل أخرى عديدة من سبل التحقق.

كل هذا مفيد، ولكن لا شيء منه يخفف من العبء الذي يتحمله المستلم: فلا يزال النظام يسمح لأشخاص آخرين بإضافة أشياء إلى قائمة المهام الخاصة بي. ولكن هناك طريقة أخرى: حيث يضطر المرسل إلى تحديد ما هو المهم حقا، ويراهن بالمال على اختياره.

والنسخة المختصرة هنا تتلخص في إرغام المرسل على الدفع حتى يتسنى له أن يرسل بريدا، في حين يُسمَح للمتلقي بتحديد السعر. لا شك أن هذه الفكرة تثير القلق: فماذا قد يحدث للفقراء؟ وماذا عن الأصدقاء؟ ألن يكون الأمر معقداً إلى حد الإرباك؟

تتألف الإجابة من شِقين. فأولا، يستطيع المتلقي أن يقرر من يدفع ومن لا يدفع، وبوسعه أن يحدد أسعاراً مختلفة (أو لا شيء على الإطلاق) للأشخاص المختلفين أو الفئات المختلفة، بل ويستطيع أن يعفي أشخاصاً بعينهم من الرسوم بأثر رجعي.

وثانيا، ستكون هناك خدمات تتولى عنك الأمر برمته. فتحدد الخدمة الأساسية سعراً واحدا، ولكن تعرض خدمات أعلى قيمة (وتتقاضى عنها رسوما) بالقدر الذي قدر يرغب فيه أي شخص من التعقيد. أو إن كنت تريد أن تتجنب اتخاذ الكثير من القرارات، فبوسعك أن تختار من بين مجموعة من الخيارات الأساسية. (وإذا كنت راغباً في تحاشي استغلال وقتك تجاريا، فبوسعك أن تعطي المال لإحدى الجمعيات الخيرية).

ولكن السؤال الرئيسي هنا هو ما الذي قد يضطر أي شخص إلى الدفع لكي يرسل بريداً إلكترونياً ما دام بوسعه أن يرسله بالمجان. أليس من الظلم أن نحد من قدرة الناس على الاتصال؟ أليس في هذا تقييداً لحرية التعبير؟

إن الناس، في نهاية المطاف، يدفعون من أجل شد انتباه شخص ما. وبوسعك أن تستمر في إرسال البريد الإلكتروني المجاني، ولكن إذا كنت تريد شد انتباه بعض الأشخاص المشغولين، فعليك أن تدفع. أليس هذا أكثر ديمقراطية من اضطرارك إلى الانضمام إلى النادي الذي يرتادونه أو الخضوع لمقابلة مع مساعديهم لكي يسمحوا لك بمقابلتهم؟

إن الهدف من الدفع ليس المال بقدر ما هو إشارة إلى مدى تقييم أي شخص لوقته. ولهذا السبب، فإن الناس سوف يحاولون إخفاء التفاصيل قدر الإمكان. على سبيل المثال، عندما ترسل بريداً إلكترونياً إلى شخص يتقاضى رسوما، فقد لا ترى تحذيراً إلى إذا كان المتلقي أعلى من حدود الدفع التي حددتها لنفسك. ومن بين الوسائل الأخرى الانضمام إلى مجموعات ــ وسوف تكون مجموعات مغلقة في الأرجح ــ تسمح بتبادل الرسائل المجانية بين أعضائها.

ومن جانب المرسِل، فإن رد الفعل الأولي قد يكون "لماذا لا أستطيع الوصول إلى هذا الشخص دون أن أدفع؟". ولكن سرعان ما يقول عدد متزايد من الناس "مهلا، أنا أيضاً أحتاج إلى هذه الخدمة، فأنا لا أستطيع أن أتحمل أجر مساعد شخصي يغربل بريدي الإلكتروني، ولكن الآن أستطيع أن أزيح عبء الدفع إلى المرسلين، الذين يتعين عليهم أن يفكروا في مدى رغبتي في تلقي رسائلهم والرد عليها كما يأملون".

وبمرور الوقت، سوف تنشأ مجموعة متنوعة من مقدمي الخدمة المتخصصين ــ من الخبراء في موضوع واحد أو مديري البريد العام. وسوف يحدد المتلقون الأسعار التي يتقاضونها في مقابل الأنواع المختلفة من البريد/الطلبات/ المرسلين. وسوف يتعامل مديرو البريد أيضاً مع الرسائل القادمة أو مع فيس بوك ولينكدين وغير ذلك من الطلبات وفقاً لما يحدده المتلقي، وسوف يجمعون المعلومات الخاصة ببطاقات الائتمان الخاصة بالمرسلين (أو الاحتمال الأكثر ترجيحاً أن يتقاضوا الرسوم على حسابات الباي بال الخاصة بهم أو الانتقال إلى أنظمة دفع أخرى عند ظهورها).

ومن غير المرجح أن يلحظ المتلقي هذه التعقيدات؛ ذلك أن أغلب هذا سوف يتم التعامل معه في الخلفية. ولكي تبدأ، فبوسعك ببساطة إن تحدد سعرك عند دولار واحد على سبيل المثال، إلى جانب تحديد قائمة من الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إليك مجانا. لا شك أن الكثير من مواطن الخلل سوف تظهر في البداية، بداية بالأشخاص الذين تعرفهم والذين لديهم عناوين بريد إلكتروني متعددة، والأصدقاء القدامى ممن هم ليسوا على قائمتك البيضاء الحالية من المرسلين بالمجان، وما إلى ذلك. ولكن مثل هذه التحديات سوف تتضاءل بمرور الوقت، ومع تناقص عدد الرسائل التي يمكنها الوصول إليك، فإن نسبة أعلى منها سوف تكون مرغوبة وتستحق الرد عليها.

وسوف يتبع ذلك بضعة تغييرات أخرى مفيدة. فسوف تصر الشركات على التمييز بقدر أكبر من الدقة والحذر بين استخدام عناوين البريد الإلكتروني التابعة لشركات والبريد الإلكتروني الشخصي. على سبيل المثال، تستطيع شركة ياهو أن تحصل دولاراً واحداً نيابة عن الموظفين عندما "يزعجهم" أثناء عملهم البريد الوارد من أصدقاء. ولكن بالنسبة للعملاء الذين يدفعون بالفعل والذين يحاولون الوصول إلى ياهو، فقد تكون هناك قائمة بيضاء من المعلنين المحتملين، الذين يكتبون جميعهم من حسابات البريد الإلكتروني التابعة لشركاتهم.

أما بالنسبة للعملاء المستهلكين، فإن أغلب الشركات تجعلك تدفع بالفعل عن طريق تعبئة استمارة مزعجة تسألك عن مجموعة من البنود غير ذات الصلة قبل أن يُسمَح لك بإرسال طلب مساعدة. ومن المرجح أن يستبقوا هذه الوظيفة ويضيفون إليها عنوان للبريد الإلكتروني الساخن يكلفك 10 دولار. (وأنا أحد المستثمرين في شركة "دايركت.لي"، التي تقدم خدمات الطرف الثالث التي تعرض الدعم المدفوع الأجر من قِبَل موظفين سابقين وغيرهم من الخبراء في نسخة أخرى من هذه الفكرة لا علاقة لها بالبريد الإلكتروني، كما استثمرت في شركة بوكسبي، التي بدأت بخدمة البريد الإلكتروني المدفوع بواسطة المرسل ولكنها تحولت في النهاية. وأظن أن الوقت بات مناسباً الآن).

ومن ناحية أخرى فإن كلاً من المرسلين والمتلقين (عبر وكلائهم) سوف يشجعون استخدام عناوين البريد الإلكتروني المتحقق منها، مع رسائل "موقعة" ومختومة بالبيانات الوصفية لتأكيد صحة مصدرها.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

هناك بطبيعة الحال الخطر المتمثل في محاولة بعض الناس إثراء أنفسهم ببساطة عن طريق فرض رسوم على رسائل البريد الإلكترونية الواردة التي لا يفتحونها أبدا. إن المقصود من المرسِل الحَذِر هو حمل المرسلين على التفكير بقدر أكبر من الدقة والعناية إلى من يرسلون البريد الإلكتروني. فلابد لجهة ما أن تتحمل العبء، وإعادة هذا العبء إلى من أنشأه في الأساس أمر منطقي ومعقول.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali