37

من سيئ إلى أسوأ في بورتوريكو

سان خوان ــ كان الركود العميق والمطول في بورتوريكو سببا في اندلاع أزمة ديون حادة. والآن تخلف تركيبة من الانكماش الاقتصادي والتزامات الدين الهائلة عواقب وخيمة على الجزيرة.

في كل مكان في كومنولث الولايات المتحدة، تُهدَر الوظائف في القطاع الخاص. وقد انخفض إجمالي تشغيل العمالة في بورتوريكو من 1.25 مليون عامل في الربع الأخير من العام المالي 2007 إلى أقل من مليون عامل بعد عقد من الزمن تقريبا. وفي غياب فرص العمل، هاجر عدد كبير من أهل بورتوريكو (وهم مواطنون أميركيون). ولكن على الرغم من هذا الهروب، أصبح معدل البطالة الآن 12.4%. وبدون فرص العمل، انخفض معدل المشاركة في قوة العمل إلى 40%، وكان ثلثا المستوى على البر الرئيسي للولايات المتحدة. كما يعيش نحو 60% من أطفال بورتوريكو تحت خط الفقر.

من الواضح أن موقف الدين في الكومونولث غير قابل للاستمرار، ولن يتمكن اقتصاده من التعافي إلا إذا حصل على بداية جديدة. ولكن على عكس البلديات في الولايات المتحدة، لا تتمتع بورتوريكو بالحماية بموجب قانون الإفلاس في الولايات المتحدة. ومن المعروف أن عمليات المساومة غير المركزية لإعادة هيكلة الديون أفضت إلى نتائج كارثية، مع عدم كفاية المساعدة المتاحة لاستعادة استدامة الدين.

وإدراكا منها لهذه الحقيقة، استنت بورتوريكو قانونا للإفلاس، ولكن المحكمة العليا في الولايات المتحدة أبطلته، لأن الجزيرة مستعمرة أميركية بحكم الأمر الواقع، ولا يسمح قانون الإفلاس الفيدرالي باستنان تشريعات الإفلاس على أراضي الولايات المتحدة إلا للكونجرس الأميركي فقط. وفي نهاية المطاف، تحرك الكونجرس واستن تشريع PROMESA، وهو القانون المصمم ظاهريا لتسهيل إعادة هيكلة الديون والتعافي الاقتصادي. وبما يعكس وجهة النظر الاستعمارية القياسية التي تزعم أن أي مستعمرة لا يمكن الثقة في قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، جرى إنشاء مجلس ثنائي الحزبية للإشراف المالي والإدارة لاتخاذ القرارات المالية بالنيابة عن بورتوريكو.

بيد أن المشاكل التي يجلبها هذا القانون أكثر من تلك التي يحلها. فمؤخرا، نشر المجلس ــ الذي يفتقر كما يبدو إلى أي فهم للاقتصاد الأساسي والمساءلة الديمقراطية لتوفير الضوابط ضد عدم أهليته ــ مطالبه للسنة المالية المقبلة. وتوقع المجلس في حقيقة الأمر أن تتسبب مقترحاته في تحويل الركود في بورتوريكو إلى كساد غير مسبوق في حجمه في أي مكان آخر: انحدار الناتج الوطني الإجمالي في العام المالي التالي بنسبة 16.2% (والمزيد من الانحدار في العام الذي يليه)، وهذا أشبه بتجارب الدول التي تشهد حروبا أهلية، أو تلك المبتلاة بالأزمات مثل فنزويلا.

وهذا لأن خطة المجلس تعطي الأولوية لدائني الجزيرة. وتضع هذه الخطة بشكل تعسفي حدا أدنى يجب أن يُدفَع للدائنين في الأمد القريب، وتفرض على الحكومة القيام بكل ما يلزم للوصول إلى ذلك الهدف، حتى لو كان ذلك يعني تخريب الاقتصاد المحلي. والواقع أن الخطة تضمن وقوع كارثة اجتماعية واقتصادية، نظرا للتخفيضات الكبيرة في معاشات التقاعد، والإنفاق على التعليم والصحة.

من اللافت للنظر أن خطة المجلس غير واضحة عندما يتعلق الأمر بالتزامها الأساسي: صياغة خطة لإعادة هيكلة الديون. وهو قِصر نظر شديد، لأن فرض المزيد من الكساد على الاقتصاد من شأنه أن يغذي دوامة من الديون. وسوف يخسر دافعو الضرائب الأميركيون أيضا بتحميلهم التكاليف التي ينطوي عليها ارتفاع معدلات الهجرة. وفي الأمد البعيد، سيخسر حتى الدائنون. وعلى هذا فإن المسار المقترح ليس ظالما فحسب، بل وغير فعّال أيضا، ولن يخدم الغرض منه في نهاية المطاف.

ويزعم أولئك الذين ينادون بسداد جزء من الديون المستحقة الآن أن هذا من شأنه أن يُظهِر أن بورتوريكو راغبة في السداد، وهذا بدوره يلهم الثقة من جانب الدائنين والمستثمرين. ولكن مشكلة بورتوريكو هي الافتقار إلى القدرة على السداد، وليس الافتقار إلى الرغبة في السداد. والسبيل الوحيد لتمكين الكومونولث من تحفيز الثقة هو استعادة النمو الاقتصادي.

تتضمن الخطة دعوات معقولة لتحسين عمليات تحصيل الضرائب وكفاءة الإنفاق الحكومي. ولكن على الرغم من أهمية هذه التدابير فإنها لن تحل الأزمة.

الواقع أن المجلس يخلط بين الكفاءة والتقشف. وفي حين قد يكون من اللطيف أن يتمكن المرء من زيادة الإنتاجية بطريقة سحرية، فإن المشاكل الحقيقية التي تعاني منها الجزيرة لا تستلزم إصلاح جانب العرض بقدر ما تحتاج إلى زيادة الطلب. والآن تتبع بورتوريكو نظاما يقيد الطلب، كما يتبين بوضوح من إعانات الدعم الكبيرة المقدمة لعوامل الإنتاج. وتتسبب خطة المجلس في تفاقم هذه المشاكل بشكل ملحوظ، من دون إظهار أي قدر من الوعي بأنها تتسبب في ذلك.

في نظام حيث الطلب مقيد، لن تؤدي التدابير الأخيرة لزيادة مرونة سوق العمل ــ وبالتالي تسهيل خفض الأجور من قِبَل أرباب العمل ــ إلى نمو أسرع. بل على العكس من ذلك، سوف يؤدي انخفاض الأجور إلى تقليص الإنفاق، وتفاقم الكساد، وزيادة احتمالات الهجرة إلى الولايات المتحدة، حيث الرواتب أعلى كثيرا.

لابد أن يكون الالتزام باستعادة النمو في صميم أي اقتراح لإعادة هيكلة ديون بورتوريكو ــ أو أي خطة مالية قابلة للتطبيق هناك. وينبغي لهذا الالتزام أن يبدأ بشطب كبير للديون، فضلا عن وقف جميع مدفوعات الديون في الأمد القريب. ولكن هذا لن يكون كافيا: فحتى لو لم تسدد بورتوريكو أي أقساط ديون في الأمد القريب، فإن عجزها الأساسي يشير ضمنا إلى أنها ستظل في احتياج إلى اتخاذ خطوات من شأنها أن تؤدي إلى كساد النشاط الاقتصادي.

ولهذا السبب، ينبغي لخطة إعادة الهيكلة أن تتضمن عنصرا ثالثا: فقرة تنص على الإقراض لسداد المتأخرات، والتي تعمل على تمكين بورتوريكو من الحصول على ائتمان جديد الآن وهي في أشد الاحتياج إليه، من خلال جعل أولوية الديون الجديدة أسبق لأولوية الديون القديمة. وهذا من شأنه أن يخلق الحيز الذي تحتاج إليه السلطات لتنفيذ سياسات الاقتصاد الكلي التي تُفضي إلى التعافي.

كان المفترض أن يرسم المجلس المسار إلى التعافي؛ ولكن خطته تجعل التعافي أمرا مستحيلا. وإذا تم تبني خطة المجلس، فسوف يشهد أهل بورتوريكو معاناة لا توصف. ولكن ما هي غاية كل هذا؟ فلن تُحَل الأزمة. بل على العكس من ذلك، سوف يصبح موقف الدين أكثر تعقيدا وأقل استدامة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali