24

دونالد ترامب وعالم من الارتياب

واشنطن العاصمة - تُعد أزمة الثقة العامة في المؤسسات المدنية - بما في ذلك الحكومات والهيئات التشريعية والمحاكم ووسائل الإعلام - عاملا رئيسيا في صعود دونالد ترامب وشخصيات مماثله في جميع أنحاء العالم. وإذا استمرت الأزمة، سيبقى هؤلاء القادة في تناغم مع الناخبين، بغض النظر عن نتائج الانتخابات.

الأزمة ليست جديدة. فقد أجريت دراسة عام 2007، من قبل منتدى الأمم المتحدة، أظهرت نمطا "منتشرا": فعلى مدى العقود الأربعة الماضية، كانت الديمقراطيات المتقدمة والصناعية تعاني من انخفاض في ثقة الجمهور في الحكومات. وفي عام 1990، سجلت حتى الدول المعروفة منذ زمن بثقتها المدنِية القوية، مثل السويد والنرويج، انخفاضا ملحوظا في الثقة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في الولايات المتحدة، أظهرت أحدث دراسة لغالوب حول "الثقة في المؤسسات" انخفاضا في الثقة بنسبة درجتين منذ عام 1970 (أو أقرب قياس متوفر) 12 من 17 مؤسسة، بما في ذلك البنوك والكونغرس والرئاسة، والمدارس، والصحافة ، والكنائس. وبخصوص المؤسسات المتبقية، زادت الثقة بنسبة أربع درجات، وبشكل واضح بالنسبة لقطاع واحد: الجيش.

بصفتي أحد علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية الذين تدربوا في أوروبا الشرقية في السنوات الأخيرة للنظام الشيوعي، لاحظت عن كثب ما يحدث لمجتمع خال من الثقة المدنية. ينظر الناس إلى المؤسسات الرسمية بشك عميق وتتزايد عدم الثقة الاجتماعية: ويستقي الناس الأخبار والمعلومات، وأشياء أخرى كثيرة من الجماعات والأصدقاء والأسر، والحلفاء الغير الرسميين، (والمقربين). ويفقد  الشباب الأمل في الاستثمار في مستقبلهم، ويستسلم شيوخهم للانتحار ويتعاطون المخدرات بِنِسَب مثيرة للقلق.

هناك أوجه تشابه بين بعض الاتجاهات المقلقة في الولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى اليوم. وفقا لدراسة رئيسية من قبل الاقتصاديين آن كيس وأنجوس ديتون، في العام الماضي، ارتفع معدل وفيات الرجال البيض الأقل تعليما في منتصف العمر في الولايات المتحدة ، الشيء الذي وصفه بعض المراقبين بموجة من "وفيات اليأس."

وفي الوقت نفسه، فاٍن جيل الألفية الأمريكية (الذين ولدوا بين عامي 1982 و 2004) يؤجلون الزواج وشراء المنزل والسيارة، مع العديد ممن يصرحون لمستطلعي الرأي أن هذا التأجيل سيكون دائما. فهم يقيمون مع والديهم بمعدلات لم نشهدها منذ عام 1940، ويكافح العديد منهم لكسب لقمة العيش من خلال العمل في "ورشات" التي لا توفر أي فوائد أو أمن وظيفي.

ونتيجة لذلك، فالكثير من الناس يعتبرون أنفسهم غرباء. و قد أغلقت الأبواب التي كانت تفتح أمامهم في الماضي، كما تآكلت ثقتهم في المؤسسات العامة لتمثيل مصالحهم بشكل كبير. وينظر الكثيرين منهم للحركات والشخصيات المناهضة للمؤسسات ، مثل ترامب، من أجل الخلاص.

وأصبح هذا التوجه واضحا في الغضب الذي اندلع في جميع أنحاء أوروبا ضد النخبة والنظام ، والذي انعكس أثره في استفتاء البريكست في المملكة المتحدة، وفي صعود حزب البديل اليميني في ألمانيا؛ وظهور زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة مارين لوبان في حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية؛ وفي الانتخابات النمساوية هذا العام، التي وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، لم يسمح لمرشحين تابعين "للمؤسسة" بالتأهل إلى الانتخابات النهائية.

في الولايا�� المتحدة، حين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية في 2016 ، اعتقد كثير من الناخبين بشكل كبير- وليس من دون سبب - أن النظام "مزيف". لكن الديمقراطية وانعدام الثقة يمكن أن يشكلا مجمعا خطيرا، لأن الناس الذين يواجهون قضايا سياسية واقتصادية معقدة لا يوجهون دائما غضبهم نحو الهدف الصحيح.  

وزادت التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العميقة في العقود الأخيرة - جنبا إلى جنب مع الخصخصة وإلغاء القيود والرقمنة، والتمويل - من سلطة النخب ومكنتهم من شحذ استخدامها للتأثير السياسي عبر مؤسسات الفكر والرأي والمؤسسات الخيرية ومجموعات الضغط والحلول التي تدمر العمليات القياسية؛ وسائل الإعلام؛ حملات التمويل؛ وأعمال "القطاع العام"، للحفاظ على مصالحهم. هذا "الفساد الجديد"، على الرغم من كونه قانونيا من الناحية الفنية، فهو غير شفاف - وبالتالي سينتج عنه تآكل كبير للثقة العامة.

كما يساعد اتساع التفاوت في الدخل على تفسير كيف يمكن للناخبين أن يتأثروا بمرشح مثل ترامب، وخاصة عندما يعيشون، كما يفعل كثيرون بشكل متزايد، في عالم معلوماتهم الخاصة. وتؤكد أنظمة مثل الفيسبوك وتويتر تحيز المجموعات، كما تبين وجهات نظر وحتى حقائق مخالفة. وقد خلق العصر الرقمي العزلة التي، وبشكل ساخر، لا تختلف عن العزلة تحت الشيوعية.

Fake news or real views Learn More

النتيجة معروفة بشكل مخيف لمن درس تاريخ أوروبا الشرقية. مِثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يستخدم ترامب العبث والغضب، ويستغل الحنين والقومية، ويعتبر الضعفاء وكذا المهاجرين أكباش فداء. كما هو الحال في روسيا، حيث تم استهداف المثليين والأقليات الأخرى رسميا، يتم تشجيع اليائسين في أميركا لمضايقة وتشويه صورة الجماعات المُهمشة بالفعل.

وتُعتبر الثقة بمثابة شريان مجتمع مزدهر، وبذلك فاٍن هناك جزءا كبيرا من الغرب يحتاج إلى دماء جديدة في حالات الطوارئ هذه. لكن الأنظمة السياسية ستبقى في غرفة الإنعاش حتى تشعر النخبة السائدة بالضعف وتتوقف عن تجاهل احتياجات أولئك الذين تم التخلي عنهم.