10

هل ينبغي لنا أن نقلق إزاء اتجاهات الإنتاجية؟

ميلانو ــ لا يقتصر اهتمام أهل الاقتصاد على معالجة المسائل الصعبة بروية وجدية، بل إنهم يهتمون أيضا بصياغة هذه المسائل. وفي بعض الأحيان، ربما يكون في إعادة النظر في هذه المسائل المفتاح إلى إيجاد الإجابات التي نحتاج إليها.

ولنتأمل هنا المناقشة الدائرة حول مسألة الإنتاجية. كان خبراء الاقتصاد الذين يحاولون تفسير التباطؤ البنيوي الواضح في نمو الإنتاجية حريصين على طرح السؤال التالي: أين الزيادة المفقودة؟ وتغطي استجاباتهم المخاوف المتعلقة بالقياس، والتحولات البنيوية في سوق العمل، ونُدرة فرص الاستثمار المحتملة، والإبداعات التكنولوجية التي تُضعِف الإنتاجية، وعدم توافق المهارات نتيجة للتكنولوجيا.

ولكن ربما يكون من المفيد أيضا أن ننظر في أسئلة أكثر جوهرية: ما هو كم نمو الإنتاجية الذي نريده حقا، وبأي ثمن؟

لا شك أن نمو الإنتاجية أمر مرغوب. فهو محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي (وخاصة في الدول حيث يتباطأ نمو قوة العمل) ومكاسب الدخل. وآنئذ، يُصبِح من الممكن أن يعمل نمو الناتج المحلي الإجمالي القوي والدخول المرتفعة على دعم جهود تلبية الاحتياجات والرغبات الإنسانية الأساسية.

وتتضح هذه الصِلة بشكل خاص في الدول النامية، حيث يُعَد التوسع الاقتصادي والدخول المرتفعة من الشروط المسبقة للنجاح في الحد من الفقر وتحسين الصحة والتعليم. غير أن الصِلة بين النمو الكلي والرفاهة الفردية ليست أقل وضوحا في الدول المتقدمة ــ وخاصة تلك التي تتصارع الآن مع تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة، وفجوات الناتج، والديون المتراكمة، وأسعار الصرف المتنافرة، والجمود الهيكلي.

لكن هذا لا يعني أن الهدف الأساسي لصناع السياسات لابد أن يكون زيادة نمو الإنتاجية. ذلك أن المجتمعات ــ بما في ذلك الحكومات والأفراد ــ تهتم بمجموعة من الأمور، من الرعاية الصحية والأمن إلى العدالة والحرية. وبقدر ما يعمل نمو الإنتاجية ــ وبالتالي نمو الناتج المحلي الإجمالي والدخل ــ على تعزيز هذه الأهداف الاجتماعية ــ فهو يظل مرغوبا للغاية.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من ميل بين خبراء الاقتصاد وصناع السياسات إلى الإفراط في التأكيد على تدابير الأداء المرتبطة بالسوق، في حين يتجاهلون السبب وراء أهمية هذا الأداء: الرفاهة البشرية. والواقع أن الجهود الرامية إلى تنفيذ إطار أكثر شمولا لتقييم الأداء الاقتصادي، وهو الإطار الذي يعكس الاحتياجات والرغبات الاجتماعية، كانت فاشلة إلى حد كبير.

لتحديد مقدار نمو الإنتاجية الذي نرغب فيه، يتعين علينا أن نستعين بمنظور أوسع، منظور يمكننا من اتخاذ القرار بشأن أفضل طريقة لتخصيص موارد المجتمع المحدودة، وخاصة موارده البشرية الأعظم قيمة. وينبغي لهذا المنظور أن يدرك أن التدابير المتصلة بالسوق، وخاصة نمو الدخل الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم)، ربما لم تعد على نفس القدر من الأهمية الذي كانت عليه في الماضي. ويتعين عليه أن يضع في الحسبان أولويات المجتمع، والتي تكشف عنها الطرق التي يستخدم بها أفراده مواردهم.

على سبيل المثال، جلبت الاكتشافات والتطورات المرتبطة بالصحة فوائد اجتماعية هائلة منذ الحرب العالمية الثانية: ارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض معدل الوفيات والمرض بين الأطفال، وليس فقط زيادة الإنتاجية والناتج المحلي الإجمالي. ولهذا السبب، تستثمر حكومة الولايات المتحدة على سبيل المثال قدرا كبيرا من الموارد في البحث الطبي: تبلغ الميزانية السنوية للمعاهد الوطنية للصحة وحدها 32 مليار دولار لتمويل مشاريع البنية الأساسية والبحوث التي توظف مجموعة فرعية من المواهب العلمية الأكبر في البلاد. وعلى نحو مماثل، تتلقى المؤسسة الوطنية للعلوم والذراع البحثية لوزارة الطاقة الأميركية ما مجموعه 12 مليار دولار سنويا، والتي تستخدم لتعزيز مجموعة واسعة من الأهداف في الهندسة، وكفاءة الطاقة، والطاقة الخضراء، والعلوم الطبيعية والاجتماعية.

ويصعب حساب العائد الاقتصادي على الاستثمار العام بسبب الإنفاق المرتبط بالأمن، حيث قد لا نجد سبيلا إلى معرفة مجموع الموارد المخصصة لتعزيزه ومدى فعالية هذه الموارد. ولكن لا شك أن الأمن عامل مؤثر على رفاهة الناس وبالتالي على تخصيص الموارد.

في بعض الحالات، ربما تصطدم رغبات الناس فعليا بهدف تحسين الإنتاجية. فالوسائط الاجتماعية على سبيل المثال كانت غالبا موضع استهزاء باعتبارها مساهما ضعيفا أو حتى سلبيا في الإنتاجية. بيد أن الإنتاجية ليست الغرض من الوسائط الاجتماعية. إذ يرى الناس فيها قيم التواصل، والتفاعل، والاتصال، والتسلية.

والواقع أن الأولوية القصوى للعديد من الأفراد، وخاصة في الدول الأكثر ثراء، ليست اكتساب المزيد من الثراء ببساطة، بل يريدون أن تكون حياتهم ذاتها أكثر ثراء، وهم يوجهون وقتهم ودخولهم وإبداعاتهم نحو تحقيق الهدف الأخير. ومع ازدياد المجتمعات ثراء، ربما يطرأ تحول على القيمة النسبية المعلقة على أبعاد الحياة المختلفة.

وسوف يتبع تخصيص المجتمعات للموارد هذه التحولات بشكل غير دقيق ولكنه متواصل. ويصدق هذا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالموارد البشرية، ولكن موارد القطاع العام تميل أيضا إلى الاستجابة لنفس التفضيلات والقيم في الأمد الأبعد، بصرف النظر عن أوجه القصور في آليات الاختيار الاجتماعي.

ولا تنفرد الدول ذات الدخل المرتفع بهذا النوع من التطور. فقد وصلت الصين ــ أو ربما تجاوزت ــ المرحلة التي يتوافق عندها التركيز الدقيق على الإنتاجية ونمو الناتج المحلي الإجمالي مع شعور المواطنين العاديين بالرفاهة. ونتيجة لهذا، يُعاد توزيع موارد الصين على نحو متزايد باتجاه محفظة أكثر توازنا وتتضمن النمو رغم ذلك، ولكنها تضيف حماية البيئة، والرفاهة الاجتماعية، والأمن، والإبداع في مجموعة واسعة من المجلات التي تتداخل جزئيا فقط مع نمو الإنتاجية والدخل.

ويشير كل هذا إلى أن حصة كبيرة من الانحدار في نمو الإنتاجية قد لا تكون راجعة إلى بعض المشاكل العميقة المتصلة بتخصيص الموارد أو بعض العواقب المترتبة على دورات الإبداع التكنولوجي الخارجية المنشأ، والتي لا نملك قدرا يُذكَر من السيطرة عليها. وهي قد تعكس بدلا من ذلك تحولا طبيعيا في الأولويات نحو أبعاد أخرى للرفاهة.

ولا يخلو هذا التحول من المخاطر. ففي غياب نمو الإنتاجية، من المرجح أن تظل دخول أولئك عند الطرف الأدنى من التوزيع ثابتة، مما يؤدي إلى تفاقم التفاوت بين الناس، وكما رأينا مؤخرا، تعريض الاستقرار الاجتماعي والسياسي للخطر. وعلى هذا، ينبغي للحكومات أن تخصص الموارد للحد من التفاوت بين الناس، بصرف النظر عن التفضيلات المتغيرة للمواطن المتوسط.

لا شك أن المجتمعات قادرة على رفع مستوى الإنتاجية واستدامة نمو الدخول، إذا تمكنت من إعادة توزيع مواردها بالكامل في ذلك الاتجاه. ولكن من المشكوك فيه ما إذا كانت مقاومة التفضيلات الكامنة في اختيارات الاستثمار الخاص والعام من شأنها أن تجعلنا فرديا وجماعيا "أفضل حالا". وهذا في الأرجح غير صحيح ببساطة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali