3

جوائز، وليس براءات اختراع

إن جزءاً من نجاح الطب الحديث يقوم على العقاقير الجديدة، والتي تستثمر شركات المستحضرات الصيدلانية آلاف الملايين من الدولارات في البحوث المرتبطة بها. وتتمكن الشركات من استرداد هذه النفقات بفضل براءات الاختراع، التي تمنحها احتكاراً مؤقتاً وبالتالي تسمح لها بتقاضي أسعار أعلى كثيراً من تكاليف إنتاج العقاقير. وليس لنا أن نطلب الإبداع دون أن نتحمل تكاليفه. ولكن هل الحوافز التي يقدمها نظام براءات الاختراع ملائم، على النحو الذي يضمن إنفاق كل هذه الأموال على النحو السليم الذي من شأنه أن يساهم في علاج الأمراض التي تقض مضجع العالم؟ من المؤسف أن الإجابة هي "كلا بكل تأكيد".

إن المشكلة الجوهرية الكامنة في نظام براءات الاختراع بسيطة: فهذا النظام يقوم على تقييد استخدام المعرفة. وبسبب عدم وجود تكلفة إضافية مرتبطة باستمتاع فرد إضافي بالفوائد المترتبة على استخدام أي جزء من المعرفة البشرية، فإن تقييد المعرفة أمر هدام وغير مفيد. ولكن نظام البراءات لا يقيد استخدام المعرفة فحسب؛ ذلك أن السلطة الاحتكارية "المؤقتة" التي يمنحها، كثيراً ما تجعل الحصول على العقاقير والعلاجات مستحيلاً بالنسبة للأشخاص الذين لا يتمتعون بفوائد التأمين الصحي. وفي العالم الثالث قد يشكل هذا الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة للأشخاص غير القادرين على شراء العقاقير الجديدة التي تحمل أسماءً تجارية، ولكنهم قادرون على شراء العقاقير غير المعبأة والتي لا تحمل أسماءً تجارية. على سبيل المثال، نجحت العقاقير غير المعبأة، والمستخدمة كخط دفاعي أول ضد مرض الإيدز، في تخفيض تكاليف العلاج بنسبة تقرب من 99% منذ العام 2000، حيث انخفضت من عشرة آلاف دولار إلى مائة وثلاثين دولاراً فقط.

ولكن على الرغم من الثمن الباهظ الذي تتكبده الدول النامية، إلا أنها لا تحصل إلا على أقل القليل في المقابل. تنفق شركات إنتاج العقاقير على الإعلان والتسويق مبالغ أضخم كثيراً مما تنفقه على الأبحاث، كما تنفق على الأبحاث الخاصة بالعقاقير التكميلية والتجميلية (لحالات مثل العجز الجنسي أو تساقط الشعر) مبالغ أضخم كثيراً مما تنفقه على الأبحاث الخاصة بالعقاقير المنقذة للحياة، ولا تنفق أي قدر من المال تقريباً على الأبحاث الخاصة بالأمراض التي تبتلى مئات الملايين من الفقراء، مثل الملاريا. إنها مسألة حسابات اقتصادية بسيطة: فالشركات توجه أبحاثها حيث يوجد المال، بصرف النظر عن القيمة النسبية التي ستعود على المجتمع. فالفقراء غير قادرين على تحمل ثمن الدواء، وعلى هذا فإن الأبحاث على أمراض الفقراء ضئيلة للغاية، بصرف النظر عن التكاليف الإجمالية المترتبة على هذا.

فالعقار المقلد على سبيل المثال، والذي يدر على صانعه حصة من الدخل كانت من المفترض أن تعود فقط على الشركة التي تهيمن على نشاط ما، قد يكون مربحاً للغاية حتى ولو كانت قيمته بالنسبة للمجتمع محدودة للغاية. وعلى نحو مماثل، دخلت الشركات في سباق محموم سعياً إلى إحراز السبق على مشروع الجينوم البشري للحصول على براءات بعض الجينات كتلك المرتبطة بسرطان الثدي. ولقد كانت قيمة هذه الجهود ضئيلة للغاية: فهي لم تسفر إلا عن التوصل إلى المعرفة بصورة أسرع قليلاً من المفترض. إلا أن التكاليف التي تحملها المجتمع كانت هائلة: ذلك أن السعر المبالغ فيه الذي فرضته شركة مايريد، حاملة البراءة، على الاختبارات الجينية (ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف دولار أميركي) يعني أن الآلاف من النساء، اللاتي كان بوسعهن إجراء الاختبار واكتشاف الخطر وتناول العلاج المناسب، قد يتوفين بدلاً من ذلك.