offshore drilling bear market DESIREE MARTIN/AFP/Getty Images

كلاب السوق التي لم تنبح

لندن ــ قبل ثلاثة أشهر، زعمت أن ارتفاع أسواق الأسهم في مختلف أنحاء العالَم كان راجعا إلى تحسن الظروف الاقتصادية، وليس علامة على "اندفاع غير عقلاني". ومنذ نشرت هذا التعليق، تسارعت أسعار الأسهم نحو الصعود، وبدأت تتجلى بعض مظاهر الاندفاع غير العقلاني، والتي أدت إلى الهبوط الحاد في أوائل فبراير/شباط. ورغم أن أغلب أسواق الأسهم لا تزال أعلى كثيرا من المستويات التي كانت عليها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فإن السؤال يظل قائما: هل كان انقلاب فبراير علامة على نهاية السوق الصاعدة، أو كان ذلك مجرد تصحيح مؤقت؟

يأتي أقوى الأدلة، كما كان شيرلوك هولمز لينبئنا، من الكلب الذي لم ينبح. وعلى نحو أكثر تحديدا، يأتي من ثلاثة كلاب حراسة قوية لم تنبح ــ أسعار النفط، وأسعار الفائدة الأميركية الطويلة الأجل، والعملات ــ بل نامت في سلام طوال فترة الاهتياج والارتباك في وال ستريت.

ويصبح السبب وراء الأهمية الكبيرة التي تتسم بها هذه الأدلة واضحا عندما ندرك أن المخاطر الرئيسية التي تهدد الاقتصاد العالمي تختلف الآن تماما عن "المعتاد الجديد" المتمثل في الركود المزمن، وركود "التضخم المنخفض"، وعدم الاستقرار الأوروبي الذي قض مضاجع الأسواق طوال السنوات العشر المنصرمة، والنمو السريع غير المستدام، وسوء الإدارة السياسية في الولايات المتحدة.

وقد ذكرت بعض أسباب هذا الانقلاب في مقالي السابق: فالآن يعمل الاقتصاد العالمي بكامل طاقته. وكل المناطق تتبع الآن خريطة الطريق التي سارت عليها الولايات المتحدة بعد عام 2008 والتي اتسمت بالتحفيز النقدي العنيف وإعادة رسملة البنوك، ولكن مع فوارق زمنية طويلة تراوحت بين ثلاث سنوات في اليابان والصين إلى ست سنوات في أوروبا، بل لفترة أطول في الاقتصادات الناشئة الكبيرة مثل الهند وروسيا والبرازيل.

وعلى هذا فقد اختفى خطر الركود أو التباطؤ الكبير في أغلب أقسام الاقتصاد العالمي، على الأقل على مدار العام أو العامين المقبلين. لكن النمو الاقتصادي لا يزيل المخاطر المالية. بل على العكس من ذلك، وقعت بعض أكبر انهيارات أسواق الأسهم خلال فترات من النمو السريع، وكانت شرارة الانهيار تشتعل عادة بفِعل التضخم المتسارع وارتفاع أسعار الفائدة.

السؤال الآن هو ما إذا كانت مخاطر التضخم هذه تلوح في الأفق الآن. أو هل لا يزال من السابق للأوان أن نقلق بشأن فرط النشاط، لأن التضخم في أغلب الاقتصادات لا يزال عند مستوى 2% أو أقل، ولا تزال أسعار الفائدة سلبية في اليابان وأوروبا، هذا فضلا عن وفرة من العمالة التي تواجه البطالة الجزئية ورأس المال غير الموظف بشكل واف؟

What do you think?

Help us improve On Point by taking this short survey.

Take survey

في تناولنا لهذه المسألة ينبغي لنا أن نلاحظ أن الكلاب لم تنبح. ويأتي أكبر تهديد بالتضخم هذا العام من ارتفاع أسعار النفط. فكان انهيار أسعار النفط من أعلى من 100 دولار للبرميل في عام 2014 إلى ما بدا أشبه بنطاق مستقر بلغ سقفه نحو 50 دولارا نعمة كبرى للاقتصاد العالمي. لكن أسعار النفط الأميركية اخترقت سقف الخمسين دولارا في الخريف الماضي، وبحلول يناير/كانون الثاني بدت وكأنها تتجه نحو 70 دولارا، وتنبأ العديد من التجار بالعودة إلى مستوى المائة دولار.

الواقع أن ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد في وقت حيث بدأ التضخم يزحف بالفعل نحو الارتفاع يعني كارثة للاقتصاد العالي، وهو ما قد يجبر القائمين على البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة بقوة وربما يستفز حالة من البيع المذعور للسندات الطويلة الأجل. ولكن من حسن الحظ أن أسعار النفط لم تواصل الارتفاع مع انخفاض أسعار الأسهم، بل سجلت هبوطا حاد. وإذا استقرت أسعار النفط بالقرب من مستواها الحالي، فإن هذا يعني زوال الخطر المباشر الذي يهدد الاقتصاد العالمي وسوق الأسهم الصاعدة.

كانت سوق السندات الأميركية ثاني كلب لم ينبح هذا الشهر، وإن كانت تململت بعض الشيء. وقد قرأنا الكثير عن ارتفاع العائدات على سندات الخزانة لعشر سنوات من نحو 2.5% في أوائل يناير/كانون الثاني إلى 3% تقريبا اليوم. لكن الأمر المهم حقا هو أن مستوى 3%، الذي عمل كسقف منذ عام 2011، لم يُختَرَق. وإذا ارتفعت عائدات السندات الأميركية فوق 3% بشكل كبير، فإن هذا من شأنه أن يثير بكل تأكيد علامة استفهام حول تقييمات الأصول الأميركية. لكن هذا لم يحدث بعد ــ ويبدو أن سوق السندات تعتقد أن الارتفاع الممتد فوق مستوى 3% في المستقبل المنظور أمر مستبعد للغاية.

الواقع أن الرضا عن أسعار الفائدة الأميركية ومعدل التضخم في سوق السندات ربما يكون مفاجئا ــ وسوف يتبين عند نقطة ما، في اعتقادي، أن هذا كان خطأ باهظ التكلفة ــ ولكنه حقيقة. والدليل على ذلك أن العائد على السندات الأميركية لثلاثين عاما لا يزال 3.2% فقط ــ عند نفس المستوى الذي كان عليه بالضبط قبل عام واحد وفي القسم الأكبر من الفترة 2015-2016. ويكاد يكون أقل بنقطة مئوية كاملة عن مستواه في عام 2013 ونقطتين مئويتين كاملتين أقل من مستواه في عام 2007. بعبارة أخرى، تعتقد سوق السندات أن توقعات النمو والتضخم في الأمد البعيد تماثل تقريبا ما كانت عليه في الفترة من 2015 إلى أوائل العام الماضي ــ وأضعف كثيرا مما كانت عليه قبل عشر سنوات.

قد تتلاشى الثقة في المستقبل، إذا انتبه المستثمرون في السندات إلى المخاطر الطويلة الأجل المترتبة على التضخم الأميركي والإسراف المالي. وعندما يحدث هذا، فسوف تسجل العائدات الطويلة الأجل ارتفاعا حادا ويُصبِح لدى المستثمرين ما يثير قلقهم حقا. ولكن في اللحظة الحالية يشير سلوك أسعار الفائدة الأميركية الطويلة الأجل ضمنا إلى ثقة تكاد لا تتزعزع بين المستثمرين في أن التضخم لن يشكل تهديدا خطيرا مرة أخرى أبدا، على الرغم من القرار الذي اتخذه الرئيس دونالد ترمب بخفض الضرائب، وتعزيز الإنفاق الحكومي، والتخلي عن حدود العجز في الاقتصاد الأميركي الذي يقترب بالفعل من التشغيل الكامل للعمالة.

وهذا يقود تحقيقنا نحو الكلب الثالث الذي لم ينبح. فلم تتحرك العملات على الإطلاق تقريبا إزاء الارتباك في سوق الأسهم. وكان السكون منطقيا: فإذا كان المستثمرون لا يشعرون بأي قلق إزاء الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأميركي، فمن المؤكد أنهم أكثر ثقة بشأن بقية العالَم. ففي أوروبا، واليابان، والعديد من الأسواق الناشئة، كان الارتفاع الدوري أحدث عهدا، والتضخم أقل ارتفاعا، والإدارة الاقتصادية أكثر صحة من حالها في الولايات المتحدة. والنتيجة واضحة: فسوف يستمر التوسع العالمي والسوق الصاعدة، لكن الزعامة سوف تنتقل من أميركا إلى الاقتصادات الأكثر تبشيرا في أوروبا، واليابان، والعالَم الناشئ.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/OCb4Vny/ar;

Handpicked to read next