13

بماذا يُنبِئنا الجنيه؟

لندن ــ أعلم من عملي طوال 32 عاما في مجال التمويل وتدبير الموارد المالية أن عالَم أسواق صرف العملات الأجنبية الغريب يستعصي على الفهم أحيانا، وأن محاولة تخمين سعر التوازن الأساسي للجنيه الإسترليني ضرب من العبث.

الواقع أن سعر تداول الجنيه البريطاني، في الساعة الـمُسكِرة التي تلت إغلاق مراكز الاستفتاء في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران، كان أعلى من واحد جنيه/دولار ونصف. وقد تبين أن هذا السِعر يعكس الافتراض الذي تبين مدى سخافته الآن بأن معسكر "البقاء" في الاتحاد الأوروبي هو الفائز. ومنذ ذلك الحين انحدر الجنيه بنسبة 20% عن تلك الذروة الأولية، كما انخفض على نحو مماثل في مقابل اليورو.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

على الرغم من هذه التناقضات، فنحن لدينا وسائل لقياس أداء الجنيه الإسترليني بعد الخروج البريطاني بشكل معقول. فبادئ ذي بدء، بوسعنا أن نقارن قيمته اليوم بمتوسط قيمته خلال حملة الاستفتاء من فبراير/شباط إلى يونيو/حزيران. ومن هذا المنظور، يتبين لنا أن الجنيه انخفض بنحو 13%، وهي نسبة تظل كبيرة، منذ قرر الناخبون أن المملكة المتحدة يجب أن تترك الاتحاد الأوروبي.

بعيدا عن النظر في تعادل القوة الشرائية، لدينا أيضا نماذج لتقدير توازن سعر الصرف الحقيقي، من خلال تحديد سعر الصرف الذي تستطيع الدولة عنده تحقيق توازن الحساب الجاري المستدام، على سبيل المثال، أو السعر الذي يسمح للاقتصاد بالوصول إلى التشغيل الكامل للعمالة.

وتشمل هذه النماذج سِعر صرف التوازن الديناميكي وفقا لجولدمان ساكس، وسعر صرف التوازن الأساسي وفقا لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي. ويبلغ سعر التوازن وفقا لتقدير النموذج الأول حاليا 1.44 جنيه/1.63 دولار أميركي، ووفقا لتقدير النموذج الثاني 0.88 ��ورو/0.74 جنيه، وهو ما يعني ضمنا أن الجنيه الآن مقوم بأقل من قيمته ــ بأي مستوى من 14% إلى 24% في مقابل الدولار، وبنحو 20% في مقابل اليورو ــ نسبة إلى القيمة العادلة النظرية.

بوسعنا أن نعزو هذه الاختلالات جزئيا إلى المغالاة في تقييم العملات الأخرى. ولكن دعونا نفترض أن هذه التقديرات دقيقة تقريبيا على الأقل، وأن الجنيه الإسترليني مقوم بأقل من قيمته نسبة إلى عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين.

وفقا لأحد التفسيرات المتفائلة، فإن انخفاض الجنيه، إذا ظل كل شيء على حاله، يعني ضمنا تحسن موقف ميزان المدفوعات في المستقبل، وأن اقتصاد المملكة المتحدة سوف يخضع لعملية إعادة التوازن المطلوبة بشدة. من المؤكد أن البيانات الاقتصادية التي صدرت منذ الاستفتاء تشير إلى اتجاه صعودي في قطاع التصنيع، كما توقع المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية مؤخرا أن يحقق ميزان المدفوعات في المملكة المتحدة فائضا صغيرا بحلول عام 2019.

بطبيعة الحال، دوام الحال من المحال. وعلى هذا سنجد أنفسنا أمام تفسير آخر يشير إلى أن سعر صرف التوازن الحالي سوف يسجل المزيد من الانحدار، بما يعكس تشاؤم السوق إزاء توقعات جانب العرض في اقتصاد المملكة المتحدة ونمو الإنتاجية في المستقبل. وسوف يعتمد الكثير على ما إذا كانت المملكة المتحدة ستترك الاتحاد الأوروبي حقا، وإذا فعلت فسوف يعتمد الكثير أيضا على الترتيبات التجارية والسياسات الاقتصادية المعمول بها بعد الخروج البريطاني.

يتلخص تفسير مكمل آخر في أن ضَعف الجنيه الإسترليني، على الرغم من الفوائد الدورية المحتملة المترتبة عليه، يعكس علاوة مخاطر على المملكة المتحدة، نظرا لمسار الخروج الوعر من الاتحاد الأوروبي وغير ذلك من الشكوك بشأن السياسات.

يمكننا تقدير علاوات المخاطر عن طريق ضبط نماذج توازن سعر الصرف الحقيقي بحيث تضع في الحسبان التطورات الاقتصادية الدورية "الطبيعية". فمع ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض واستقرار معدل التضخم من الممكن أن تحظى عملة البلاد بميزة على العملات الأخرى، وعلى هذا فإذا أخذنا في الاعتبار الفوارق في أسعار الفائدة الحقيقية يصبح بوسعنا تحديد السعر النظري الواجب لتداول العملة. وعندما نطبق هذا على الجنيه الإسترليني في مقابل الدولار واليورو، فسوف نجد أن سعر الصرف النظري للجنيه لا يزال أضعف كثيرا من سعر صرفه النقدي الآني، وهو ما يشير إلى أن السوق أدخلت في الحسبان علاوة مخاطر كبيرة بالفعل.

الواقع أن هذه التقديرات لا تخلو من عواقب تؤثر على السياسة العامة. فبادئ ذي بدء، ينبغي لصناع السياسات في بريطانيا أن يعترفوا بأن انخفاض الجنيه مفيد، ولكنه غير كاف لتحسين موقف المملكة المتحدة في الخارج وإعادة التوازن إلى الاقتصاد.

ثانيا، تعكس التقلبات اليومية والأسبوعية للجنيه افتراضا في السوق مفاده أن الخروج البريطاني "العسير" ــ والذي بموجبه تخسر المملكة المتحدة قدرتها على الوصول إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي سعيا إلى تقييد الهجرة ــ لابد أن يؤثر سلبا على نمو الإنتاجية. وإذا كانت السوق على حق فإن هذا يعني أن نمو المملكة المتحدة في المستقبل سوف يعتمد بشكل أكبر على قدرة صناع السياسات على تعزيز التجارة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، سوف يضطر صناع السياسات إلى وضع استراتيجية متطورة في التعامل مع الهجرة لاجتذاب العمال من ذوي المهارة العالية، وفي الوقت نفسه تقييد حركة الناس بشكل عام.

Fake news or real views Learn More

أخيرا، إذا كان هناك أي احتمال بأن سوق صرف العملات الأجنبية قدرت علاوة مخاطر ضمنية للملكة المتحدة (ويبدو أن هذه هي الحال بالفعل)، فسوف يضطر صناع السياسات إلى توخي الحذر الشديد وعدم اقتراح أي تغييرات أخرى لإطار السياسة الاقتصادية في المملكة المتحدة. وأي تهديدات جديدة لاستقلال بنك إنجلترا، بشكل خاص، قد تستفز توجها عقابيا في السوق.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel