1

المهمة الحقيقية للبابا فرانسيس

جليندال، كاليفورنيا ــ إن الكاثوليكية، بين الأديان الأكثر تقيداً بالتقاليد، تشتمل في جوهرها على مفارقة أصبحت الآن حادة على نحو متزايد. في حين يبدأ البابا فرانسيس أولى رحلاته إلى الخارج ــ إلى البرازيل، البلد الأكثر اكتظاظاً بالسكان الكاثوليك في العالم ــ فإنه من الصعب على الرغم من جمود الماضي أن نجزم إلى أين تسير الكنيسة.

ويضيف جلوس خورخي ماريو برجوليو على كرسي البابوية إلى هذا اللغز. كان رئيس الكهنة اليسوعيين في المحكمة البابوية يدعى "البابا الأسود"، نظراً لغفارته السوداء البسيطة (إن لم يكن بسبب نواياه الشريرة). والآن، ولأول مرة، يتولى يسوعي منصب البابا ــ وتزداد هذه الحداثة تعقيداً باختياره لاسم غير يسوعي على الإطلاق لنفسه، فرانسيس.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

وبقدر غرابة هذه المؤشرات في مؤسسة تنمو وتترعرع على الرمز، فإنها تشكل رغم ذلك رتوشاً رمزية. فقد شاهدنا بالفعل العديد من الصور للبابا فرانسيس وهو يقبل الأطفال الرضع؛ أما الآن فهو يواجه ــ في البرازيل ومختلف أنحاء العالم ــ قضايا استراتيجية حقيقية ملموسة.

من بين هذه التحديات بنك الفاتيكان. وهو التحدي الذي يعادل تنظيف اسطبلات الملك أوجياس (من الأساطير الإغريقية). ويكفي أن نذكر كلمات مثل "الفاتيكان" و"بنك" في نفس الجملة لكي تنطلق سلسلة من النكات حول سخافات ودسائس أشبه بالتمثيليات الهزلية.

ومن أجل إيجاد علاج لهذه المعضلة، قرر فرانسيس تعيين لجنة بابوية مالية خاصة. ولكن البنك المعروف باسم معهد الأشغال الدينية، والذي تأسس في عام 1942، لا يضرب بجذور عميقة في الكاثوليكية. وبرغم ما اشتهر عنه من سرية وتكتم، فإن العمل به بعيد تماماً عن الجوهر الأكثر حساسية وعقائدية الذي تتسم به الكنيسة. وعلاوة على ذلك فإن أعضاء اللجنة يحملون أوراق اعتماد تدل على الولاء الخالص، وهو ما يصدق أيضاً في وصف الكرادلة المعينين من قِبَل فرانسيس للنظر في قضايا الإصلاح الأكثر عمومية.

ومن ناحية أخرى، أطلق فرانسيس سلسلة من المبادرات الرامية إلى إرضاء الجميع تقريبا. فقد أمر بالتعجيل بعملية تطويب يوحنا الثالث والعشرين، الذي افتتح مجمع الفاتيكان الثاني قبل نصف قرن من الزمان تقريبا، في قائمة القديسين، وكذا يوحنا بولس الثاني، القطب الاستبدادي الذي كبح جماح العديد من بواعث التحرر في الفاتيكان الثاني. كما أعلن منح الغفران التام ــ إجازة من "آلام المطهر" ــ لهؤلاء الذين يتابعون زيارته إلى مهرجان الشباب الكاثوليك في ريو دي جانيرو على شبكة الإنترنت.

ومن الصعب أن ننفعل إزاء مثل هذه التدابير ــ سواء بالنسبة للكاثوليك الذين لا يأخذونها على محمل الجد أو بالنسبة للمؤمنين البسطاء. صحيح أنها تحمل قيمة الشعور بالرضا عن الذات، ولكن لا شيء آخر.

وجوهر المسألة هو أن تصرفات فرانسيس كانت متوافقة مع نمط "الثورة من الأعلى" بشأن الإصلاحات المرتبطة بالفاتيكان الثاني. وبشكل خاص، لم يتطرق أي من التغيرات التي روج لها فرانسيس إلى أي تصور لخفض السلطات البابوية. إن تعبير "التفوق البابوي" ــ المصطلح الذي يستخدمه علماء اللاهوت عندما يتحدثون مع نظرائهم البروتستانت ــ يظل مقدسا.

والدرس الأكبر هنا هو أن هذه النماذج الملكية للكاثوليكية، جنباً إلى جنب مع الترتيب الهرمي المصاحب لها، ظلت على حالها بلا تغيير كبير منذ الإصلاح المضاد. على سبيل المثال، عندما يترك الكهنة "الأوامر المقدسة" فإنهم يعرضون أنفسهم "للتنزيل إلى المرتبة العلمانية العادية" ــ وهو مصطلح يتسم بالتعالي والعجرفة بعض الشيء وينبئنا بالكثير عن العقلية الكنسية العتيقة.

وهذا ليس وضعاً جديدا. ولكن الجديد الآن هو الظروف التي تحيط بالأمر برمته. فقد جمعت الكاثوليكية في أوج مجدها بين مجموعة موحدة من المعتقدات وإدارة غير مركزية إلى حد ما، في ظل هيمنة قائمة بذاتها من قِبَل الأساقفة. ومن بين الأسباب وراء استغراق وصول يسوعي إلى الرسامة أو التنصيب نحو ثلاثة عشر عاماً فترة التلقين الطويلة في الأرثوذكسية واللازمة لإعداد القساوسة الذين، على عكس "رجال الدين العاديين" (الذين يدوم تدريبهم نصف هذه الفترة) سوف يصبح بوسعهم التنقل والابتعاد عن السيطرة المباشرة للأساقفة.

والآن يوشك هذا الوضع على التحول في الاتجاه المعاكس. فقد أصبحت إدارة الكنيسة خاضعة على نحو متزايد لقوانين مدنية موحدة. ومن ناحية أخرى، فمنذ الفاتيكان الثاني ــ وبالترادف مع تقلص الجيوب العرقية المتماسكة ــ لم يعد مرتادو الكنائس يشعرون بالالتزام بالانصياع لحرفية القانون الكنسي. وأصبحت مفاهيم مثل "النسبوية" و"الانشقاق عن الكنيسة" شائعة في كل مكان.

إن السلطة البابوية تقف على أرض غير ثابتة، وخاصة في الغرب العلماني نسبيا. وبوسع فرانسيس أن يجتذب الانتباه بالإعراب عن رأيه في العدالة الاجتماعية خارج الكنيسة، ولكن من الصعب بالنسبة لأي بابا أن يؤثر على عادات الكاثوليك أنفسهم ووجهات نظرهم العقيدية، فهم يفكرون ويتصرفون كما يحلو لهم. وبوسعه أن يوبخ ويؤنب ــ وهو المسلك الذي حاول فرانسيس تجنبه حتى الآن ــ ولكن لا يستطيع أن يقنع.

وإذا كانت معضلة الكنيسة الأولى تتعلق بأسس السلطة البابوية ومدى فعاليتها، فإن المعضلة الثانية جنسية. والمعضلتان مرتبطتان. فالواقع أن فرانسيس ينفر من الخطاب الرجعي الذي استخدمه أسلافه في إطلاق الإنذارات حول دور المرأة، وهو لم يخرج عن طريقه في متابعة "الزيارة" التي قامت بها راهبات أميركيات متغطرسات إلى الفاتيكان (اقرأ "محاكم التفتيش"). ولكنه أبقى ذلك الحدث الأخير على دفاتره، وهو لا يزال مستمراً في الحديث التقليدي عن المثلية الجنسية.

إن الكاثوليكية ــ أو بقدر أكبر من الدقة، أسطورة الذكر العازب في قلب الكنيسة المؤسسية ــ تستند إلى قرون من التحيز الجنسي. فقد انتشرت ثقافة مناهضة للنساء داخل المنظمة. وبوسع دارسي اللاهوت من ذوي التفكير العميق الرصين أن يميزوا بين القضايا النفسية الجنسية؛ ولكن في الممارسة العملية تسود الخشية من الانزلاق إلى منحدر مأساوي.

وإذا سحبنا خيطاً واحدا ــ شروط العزوبة الكهنوتية على سبيل المثال ــ فإن الصرح ينهار بالكامل. ولنتأمل هنا ما حدث للطوائف البروتستانتية المتحررة، التي خسرت أتباعها برغم كل نواياها الطيبة.

Fake news or real views Learn More

وبوسع المرء أن يزعم أن التنازلات على هذه الجبهة لابد أن تقرر ببساطة بالواقع السلوكي وتغير المواقف، وأن تسمح للكنيسة بالمضي قدما. وبوسع المرء أيضاً أن يزعم أن العواقب المترتبة على الإصلاح لن تكون مأساوية على المستوى التنظيمي كما يخشى البعض ــ وبنفس الطريقة فإن التعامل مع قضايا منعزلة مثل بنك الفاتيكان من شأنه أن يعيد المصداقية إلى الرسالة الروحانية للكنيسة. ولكنها محادثة لم يشرع فيها فرانسيس بعد، ولم يُظهِر الناس من حوله أي إشارة واضحة إلى فهمها.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel