A view of the Goldman Sachs headquarters in London Jastin Tallis/Getty Images

النمو الاقتصادي لم يعد كافيا

مدريد ــ يبدو أن بيانات الاقتصاد الكلي القادمة من الاقتصادات المتقدمة في العالم ربما تكون غامضة عندما ننظر إلى كل منها بمعزل عن غيرها. ولكن عندما يجري تحليلها بشكل جماعي، تكشف هذه البيانات عن حقيقة مزعجة: فإذا لم تتغير كيفية توليد الثروة وتوزيعها فسوف تشتد حِدة التشنجات السياسية التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ولنتأمل هنا على سبيل المثال الأجور وتشغيل العمالة. في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، ظل متوسط الرواتب راكدا، على الرغم من تعافي أغلب الاقتصادات من الأزمة المالية التي اندعت في عام 2008 فيما يتصل بالناتج المحلي الإجمالي ونمو الوظائف.

وعلاوة على ذلك، لم تؤد الزيادات في تشغيل العمالة إلى تباطؤ أو تراجع انخفاض حصة الأجور في الدخل الوطني الإجمالي. بل على العكس من ذلك، ذهبت أغلب الثروة التي نشأت منذ أزمة 2008 إلى الأثرياء. وربما يفسر هذا مستويات الاستهلاك المتدنية التي تميز أغلب الاقتصادات المتقدمة، وفشل السياسة الضريبية المفرطة التساهل في دفع التضخم إلى الارتفاع.

ويبدو أن أداء تشغيل العمالة أيضا لم يكن سويا. فقد اتبعت عملية خلق الوظائف، حيثما حدثت، مسارا مختلفا عن ما يشير إليه التاريخ. على سبيل المثال، كان أغلب نمو العمالة في المهن التي تتطلب مهارات مرتفعة أو مهارات متدنية، الأمر الذي أدى إلى خلق فراغ في المنتصف. والآن أصبح العديد من الناس الذين شكلوا ذات يوم الطبقة المتوسطة الغربية جزءا من الطبقتين المتوسطة الدنيا والدنيا، ويعيشون حياة أكثر خطورة من الناحية الاقتصادية من أي وقت مضى.

كما أصبح نمو الإنتاجية مستقطبا. فوفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سجلت إنتاجية "الشركات الحدودية" ــ التي يمكن تعريفها بالشركات التي تسجل نموا في الإنتاجية لا يقل عن 5% ــ زيادة تجاوزت الثلث، في حين لم تسجل بقية القطاع الخاص أي نمو في الإنتاجية على الإطلاق. بعبارة أخرى، حققت أعداد أقل من الشركات مكاسب أكبر في الكفاءة، ولكن لم يحدث أي نشر لهذه الفوائد نسبيا إلى الاقتصاد الأعرض.

وليس من الواضح سبب حدوث مثل هذه الاتجاهات، وإن كانت تأثيرات التكنولوجيات الجديدة وتأثيرات الشبكات المترابطة تشكل جزءا من السبب بكل تأكيد.

على المستوى الكلي، تزايدت الإنتاجية الكلية في الولايات المتحدة بأكثر من 250% منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين، في حين ظلت الأجور عن الساعة راكدة. وهذا يعني أن نمو الإنتاجية لم يكن متركزا ضمن مجموعة ضيقة من الشركات فحسب، فقد حدث أيضا انفصال بين الإنتاجية ودخل سوق العمل. والنتيجة الأساسية المترتبة على ذلك هي أن الأجور لم تعد تلعب الدور المركزي في إعادة التوزيع الذي لعبته لعقود من الزمن. الأمر ببساطة أن المكاسب في إنتاجية رأس المال لا تترجم إلى دخول متوسطة أعلى، ما يُعَد خرقا للعقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الاقتصادات الليبرالية.

ينبغي أن يكون من الواضح الآن أن العديد من اقتصادات العالَم تمر بشكل ما من أشكال التغير البنيوي، وفي أعقاب هذا التغيير، انحرف مثلث التوزيع، "الوظائف والإنتاجية والدخل". وقد أدى هذا التحول في النموذج إلى تآكل الطبقة المتوسطة الغربية وظهور طبقة "البريكاريا"، وهي طبقة اجتماعية اقتصادية جديدة لا تشمل أولئك الذين لا يستطيعون العثور على وظائف فحسب، بل وتشمل أيضا أولئك الذين يعملون بشكل غير رسمي أو عَرَضي أو الذين يفتقرون إلى الأمان الوظيفي.

الآن، أصبح لدينا أدلة وفيرة تربط بين مفهوم انعدام الأمان الاقتصادي في الغرب والمشاعر المعادية للنخبة، والتطرف السياسي، والهجمات على الأقليات. ومن المستحيل أن نفسر الارتفاع الأخير في السياسات الشعبوية من دون أن نضع في الاعتبار التأثيرات التي تخلفها هذه الأمراض الاقتصادية على العامل المتوسط في الولايات المتحدة وأوروبا.

حتى يتسنى لنا أن نفهم سبب حدوث هذه الانحرافات عن المسارات الاقتصادية المتوقعة، فما علينا إلا أن ننظر إلى التأثير الذي تخلفه التكنولوجيا على الوظائف. عملت التكنولوجيات المتقدمة، وخاصة الحوسبة المتقدمة والروبوتات، على تمكين حدوث مكاسب الإنتاجية دون أن يصاحبها زيادة مقابلة في الأجور. وتذهب الثروة الأكبر المتولدة عن الإنتاجية الأعلى بدلا من ذلك إلى أصحاب هذه التكنولوجيات.

الواقع أن تشغيل الوظائف الروتينية آليا (الأتمتة) يدفع استقطاب سوق العمل. ولم يتبق سوى المهام التي يصعب تشغيلها آليا والتي تتطلب مهارة ضئيلة أو معدومة أو المهام التي يصعب تشغيلها آليا والتي تتطلب مهارات عالية للغاية. وعدد النوع الثاني من الوظائف أقل كثيرا من النوع الأول، ويتصادف أنها تتواجد في الشركات الحدودية التي تستفيد من التأثيرات المترتبة عل التكنولوجيا للتفوق على أداء المنافسين المباشرين، والتوسع إلى أسواق جديدة.

ويقودنا هذا إلى المسألة المركزية في عصرنا: كيف قد يتمكن القادة من معالجة العوامل الخارجية الناجمة عن التغير التكنولوجي السريع، وبالتالي ضمان الاستدامة الاقتصادية والسياسية؟ بعبارة أخرى، كيف يمكننا بناء عقد اجتماعي جديد صالح للعصر الرقمي؟

إن الحصول على العلاجات أصعب من التوصل إلى التشخيص. فمن غير الواضح على سبيل المثال ما إذا كان تطبيق العلاجات الاقتصادية القديمة كفيلا بعكس الاتجاهات الحالية. وربما يتسبب دفع "الإصلاحات البنيوية" وتصميم سياسات الاقتصاد الكلي الضيقة الأفق التي تستهدف حصرا زيادة الإنتاجية في إرغام العمال الغربيين على التنافس مع التكنولوجيا بدرجة أعظم، مما يزيد من هشاشة الوضع وخطورته. وربما تتمكن ترتيباتنا الاقتصادية الحالية من إنتاج النمو على المستوى الكلي فقط، في حين تدفع مستويات معيشة أغلب الناس إلى التدني.

لقد بدأت المناقشات حول الحلول للتو. وسوف يتطلب تقليص فجوة التفاوت الاقتصادي إصلاح التعليم والضرائب، مع تحويل العبء الضريبي بشكل حاسم من العمل إلى رأس المال. وسوف تحتاج الدول الغربية أيضا إلى خلق آليات توزيع جديدة لتكميل الدور المتدني للأجور في اقتصاداتها.

الواقع أن الحجة التي تسوقها البيانات لصالح مثل هذه الإصلاحات دامغة. فإذا كان لقادة الغرب أن يتمكنوا من احتواء التشنجات السياسية التي تعاني منها بلدانهم الآن، وقمعها في نهاية المطاف، فليس أمامهم بديل غير صياغة نماذج نمو جديدة وشاملة.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/OOOs6wE/ar;
  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now