Omar Marques/SOPA Images/LightRocket via Getty Images

البولنديون وحدهم يستطيعون إنقاذ الديمقراطية البولندية

وارسو - في الأسابيع الأخيرة، احتلت الاحتجاجات الضخمة في وارسو العناوين الرئيسية في جميع أنحاء العالم. وقد نظم البولنديون احتجاجات ضد القانون الذي تم سنه من قبل حزب القانون والعدالة الحاكم، والذي من شأنه أن يخفض سن تقاعد قضاة المحكمة العليا، مما سيؤدي إلى التقاعد القسري لجميع القضاة الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا ويسمح لحزب القانون والعدالة الحاكم بتعيين قضاة جدد من اختياره.

ينص الدستور البولندي على وجود قضاء مستقل، ويحدد مدة ولاية الرئيس الأول للمحكمة العليا في ست سنوات. وهذا يعني أنه لا يمكن عزل القضاة بموجب القانون - على الأقل ليس دستوريًا. ومع ذلك، فإن القانون الجديد يمكّن الرئيس البولندي أندريه دودا من استبدال ما يصل إلى ثلاثة أخماس قضاة المحكمة العليا البالغ عددهم 93 قاضيًا، بمن فيهم كبير القضاة، في عام 2018 فقط.    

علاوة على ذلك، أضافت الحكومة مجلسين جديدين إلى المحكمة، مما ضاعف عدد القضاة إلى 120. وسيتم استخدام غرفة تأديبية جديدة للقضاة الغير ملتزمين، وستصادق غرفة التدقيق والشؤون العامة على صحة النتائج الانتخابية. كما سيكون للغرفة الأخيرة سلطة التحقيق في الشكاوى الانتخابية السابقة، مما سيمكن الحكومة من إلغاء قرارات المحكمة التي يعود تاريخها إلى 20 سنة. إن حزب القانون والعدالة يسيطر بشكل كامل على صنع القرار القضائي في الوقت الحاضر وعلى مدى العقدين الماضيين من السوابق القانونية.        

ومع إحكام نظام حزب القانون والعدالة قبضته على السلطة القضائية، فإن العديد ممن يعارضون القانون الجديد يضعون آمالهم في الاتحاد الأوروبي. شرعت المفوضية الأوروبية في القيام "بإجراءات المخالفات" ضد بولندا رداً على انتهاكات حزب القانون والعدالة الحاكم لاستقلال القضاء، والتي يمكن أن تمهد الطريق أمام محكمة العدل الأوروبية لوقف صلاحية القانون حتى يتم النظر في المسألة.  

تكمن المشكلة في أن محكمة العدل الأوروبية تعمل ببطء شديد، مما يعني أننا يمكن أن نواجه وضعاً مثل هنغاريا  في عام 2014، عندما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها ضد حكومة رئيس الوزراء فيكتور أوربان بعد إقالة قاضي المحكمة العليا أندراس باكا قبل نهاية ولايته. لكن الحكم جاء متأخرا جدا. دفعت الحكومة الهنغارية غرامة قدرها 100.000 يورو (117.000 دولار)، دون استعادة منصب باكي أوسيادة القانون.

وبالمثل، في قضية عامي 2016 و 2017، حكمت محكمة العدل الأوروبية في يوليو / تموز الماضي بأن تفويض الحكومة البولندية بتوسيع أنشطة قطع الأشجار في غابة بياوفييجا يعد انتهاكا لقانون الاتحاد الأوروبي. لكن الحكومة البولندية تجاهلت الحكم، واستمر قطع الأشجار غير القانوني حتى أبريل / نيسان 2018، عندما هددت محكمة العدل الأوروبية بتغريم بولندا مبلغ 100.000 يورو في اليوم. عند هذه النقطة، تم قطع 190.000 متر مكعب من أشجار الغابات. لكن الوضع اليوم لا يختلف: إذا كانت محكمة العدل الأوروبية ستقوم بوقف الإصلاحات القضائية لحزب القانون والعدالة، كان ينبغي فعل ذلك قبل أشهر.

Subscribe now

Exclusive explainers, thematic deep dives, interviews with world leaders, and our Year Ahead magazine. Choose an On Point experience that’s right for you.

Learn More

لكننا نواجه مشكلة ثانية أكثر خطورة. في حين يعتقد 49٪ من البولنديين أن سيادة القانون تحت الحصار في بولندا، فإن 27٪ منهم لديهم وجهة نظر مختلفة، و 24٪ ليس لديهم رأي واضح. وعلى الرغم من تجمع الآلاف - وربما عشرات الآلاف - من المتظاهرين أمام المحكمة العليا في الأسابيع الأخيرة، صوت نحو ثمانية ملايين شخص لصالح حزب القانون والعدالة الحاكم في انتخابات عام 2015. وعلاوة على ذلك، تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن شعبية حزب القانون والعدالة الحاكم ارتفعت إلى حوالي 40٪ - أي أكثر من ضعف شعبية حزب المنبر المدني الحاكم السابق. وهذا يشير إلى أنه في حين قد لا يتفق البولنديون مع الإصلاحات القضائية لحزب القانون والعدالة الحاكم، إلا أنهم ليسوا حريصين على المخاطرة بالكثير من أجل المحاكم الحرة - أو المبادئ الديمقراطية الليبرالية بشكل عام.

وبناءً على ذلك، يمكن لرئيس حزب القانون والعدالة الحاكم ياروسلاف كاتشينسكي أن يعلن الآن أن "المفوضية الأوروبية لن تكسر إرادة بولندا فيما يتعلق بإنجاز الإصلاحات. وأضاف، إذا لم نقم بإصلاح القضاء، فإن الإصلاحات الأخرى لن يكون لها أي معنى، لأنه سيتم إلغائها من قبل المحاكم التي لدينا الآن عاجلاً أم آجلاً".

يعرف كاتشينسكي تماما أن حزبه يتلقى أكبر قدر من الدعم الشعبي، وأن محكمة العدل الأوروبية لن تتمكن على الأرجح من اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب. وفي غياب معارضة داخلية فعالة، لن يتمكن أحد من الوقوف في طريقه. ما يتوقعه الناس من الشعبويين هو تطرفهم واستعدادهم لتحويل أقوالهم إلى أفعال. ولذلك يجبر  الناس على قبول أعمال سخيفة مثل تدمير غابة بياوفييجا، حتى لو كانوا يختلفون مع ذلك. ونتيجة لذلك، أصبحت التنبؤات المستندة إلى استطلاعات الرأي العامة بلا معنى.

ماذا عن المحاكم؟ يعتقد جميع القضاة تقريباً أن حزب القانون والعدالة الحاكم ينتهك الدستور، ولهذا السبب يقوم دودا بملء الغرف التي تم إنشاؤها حديثًا بمسئولي وزارة العدل والنواب في حزب القانون والعدالة، بدلاً من القضاة الفعليين. إن الخيار الوحيد هو إعلان القضاة البولنديون عن الإضراب. إذا توقفت المحاكم البولندية، فسوف يدرك البولنديون أن القانون يشبه الهواء: تشعر به فقط عندما يتحرك.

ولكن لم يتم إجراء أي محادثات في بولندا بهذا الشأن. لن يقوم القضاة بالإعلان عن الإضراب، لأنهم ليسوا سياسيين، وهم ليسوا متحمسين لخوض أي صراعات. بل على العكس من ذلك، فإن بعض أفعالهم حتى الآن جعلت الوضع أسوأ. إنهم يرتكبون أخطاء جسيمة في الوضع الحالي، على سبل المثال، ذهبت رئيسة المحكمة للتو في عطلة من أجل الابتعاد عن الصراعات القائمة. وقبل بضعة أشهر، ظهرت مع دودا في أداء اليمين خلال تنصيب رئيس المحكمة الدستورية الذي تم تعيينه بشكل غير دستوري.

بالإضافة إلى ذلك، يستغل حزب القانون والعدالة الحاكم حقيقة أن الإضراب القضائي لن يكون صائبا. يمكن للشعبويين أن يفلتوا من العقاب عن تقويض سلطة المؤسسات الديمقراطية، لكن السلطات لن تتمكن من القيام بذلك. لذلك يجب هزم الشعبويين سياسياً. مع الإشارة إلى انتهاكاتهم للدستور والاحتجاج الذي يجعل المعارضة أقرب إلى الفوز الانتخابي.

لقد كان القانون - مثل الاقتصاد - بمثابة بديل سياسي لفترة طويلة جداً، مجسداً فكرة أنه بدون وجود بديل للديمقراطية الليبرالية والأسواق الحرة، يمكن أن تصبح السياسة تقنوقراطية. إن صعود النزعة الشعبوية في بولندا وأماكن أخرى يعد بمثابة تذكير بسخافة تلك الفكرة. يمكن للديمقراطية البولندية فقط أن تنقذ المحكمة العليا، وليس العكس.

http://prosyn.org/k9t1J4w/ar;

Handpicked to read next

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.