57

اختراع التفاوت

لندن ــ يبدو أن الجميع يتحدثون الآن عن مستوى التفاوت الاقتصادي الذي أضحى مرتفعاً للغاية اليوم، ويعلنون إدانتهم له. وبفضل إحصاءات متنافرة كتلك التي كشفت عنها مؤخراً مؤسسة أوكسفام والتي تزعم أن أكثر 62 شخصاً ثراءً في العالم يملكون قدر ما يملكه أفقر 3.6 مليار نسمة على كوكب الأرض، بدأ الدعم الشعبي لشخصيات يسارية من أمثال بيرني ساندرز في أميركا وجيريمي كوربين في بريطانيا يتجه نحو الارتفاع. ولكن المناقشات التي تحركها الإيديولوجية اليوم تبالغ في تبسيط القضية التي تتسم بالتعقيد الشديد ــ والتي تأثرت بعملية لا نفهمها بشكل كامل.

الواقع أن العديد من المشاركين في المناقشة بشأن فجوة التفاوت في الوقت الحاضر يستشهدون بكتاب "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" للخبير الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي في عام 2014، والذي يسجل ثلاث نقاط أساسية. فأولا، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، كانت نسبة الثروة إلى الدخل في تزايد مضطرد. وثانيا، إذا كان العائد الكامل على الثروة أعلى من نمو الدخول، فإن الثروة تصبح متزايدة التركيز بالضرورة. وثالثا، لابد من عكس اتجاه هذا التفاوت المتزايد قبل أن يدمر المجتمع، وذلك بالاستعانة بضرائب المصادرة.

قد تبدو هذه النقاط مقنعة للوهلة الأولى. ولكن البيان الأول أكثر قليلاً من بديهي، والثاني ملفق بفِعل بيانات بيكيتي ذاتها، الأمر الذي يجعل الثالث غير ذي صِلة.

يلاحظ بيكيتي ارتفاعاً في نسبة الثروة إلى الدخل في الفترة من 1970 إلى 2010 ــ وهي الفترة المقسمة بفِعل تغير كبير في البيئة النقدية. ففي الفترة من 1970 إلى 1980، شهدت الاقتصادات الغربية معدلات تضخم متزايدة الارتفاع، مصحوبة بارتفاعات في أسعار الفائدة. وخلال تلك الفترة كانت زيادة نسبة الثروة إلى الدخل في بلدان الغرب متواضعة، إن كانت واردة على الإطلاق.