2

الإبداع المالي يذهب إلى المدرسة

باريس ــ في وقت لاحق من هذا الشهر، سوف تناقش الأمم المتحدة تقريراً رفيع المستوى حول أولويات التنمية العالمية للفترة التالية للأهداف الإنمائية للألفية، والتي ينتهي العمل بها في عام 2015. وستكون جودة التعليم من بين الأولويات العالمية التي سيتناولها زعماء العالم.

وفي حين تحسنت نتائج الصحة العالمية ــ أحد المحاور الرئيسية للأهداف الإنمائية للألفية ــ إلى حد كبير في الأعوام الأخيرة، فإن التقدم في مجال التعليم في مختلف أنحاء العالم لم يكن مُرضياً بأي حال من الأحوال. ويرجع هذا إلى أسباب عِدة، بما في ذلك الطبيعة المعقدة للاستثمار في التعليم، وضعف الإدارة العالمية ــ وبطبيعة الحال، التمويل. وبحلول عام 2015 سوف يبلغ مجموع إنفاق مؤسسات تمويل الصحة الثلاث الأكبر على مستوى العالم (الصندوق العالمي لمكافحة الايدز والسل والملاريا، والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتحصين، وUNITAID) أكثر من 55 مليار دولار، مع ما يقرب من 7 مليار دولار قادمة من آليات تمويل إبداعية مثل سندات اللقاح، وفرض ضريبة على شركات الطيران، ومقايضة الديون.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وبرغم الأدلة القاطعة التي تؤكد تأثيره الإيجابي على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي فإن التعليم ــ وخاصة في المرحلتين ما قبل المدرسة والتعليم الابتدائي ــ يعاني من نقص مزمن في الاستثمار. فقد جمعت الشراكة العالمية للتعليم أقل من 10% من التمويل الذي ذهب إلى الصحة العالمية، وحتى يومنا هذا لم تنشأ آليات إبداعية تُذكَر لتمويل التعليم. ومع افتقار نحو مليار طفل إلى القدرة على الوصول إلى التعليم الجيد، فمن الواضح أن المزيد من التمويل مطلوب.

وتتضمن العوائق التي تحول دون الاستثمار في التعليم الفجوة الهائلة بين التدخلات والنتائج، وصعوبة قياس النتائج، وهيمنة القطاع العام. والواقع أن القطاع الصحي يواجه عقبات أقل لأنه يفرض تهديدات مباشرة على حياة البشر، ويمكن قياس نتائجه بسهولة، فضلاً عن الدرجة العالية من الاستدامة والقطاع الخاص النشط.

وعلاوة على ذلك، يوفر وجود الشراكات العالمية بين القطاعين العام والخاص ــ مثل الصندوق العالمي، أو التحالف العالمي من أجل اللقاحات، أو UNITAIDــ ركيزة مؤسسية للدعم الفعّال والدبلوماسية الصحية العالمية. وعلى النقيض من هذا فإن الجهود الرامية إلى تحسين نتائج التعليم العالمي تواجه معوقات تتمثل في التعقيدات القائمة على طول سلسلة القيمة ا��استثمارية في هذا المجال والافتقار إلى مؤسسات التمويل الممولة على النحو اللائق والقادرة على تحريك دبلوماسية التعليم العالمية. فما هي الخيارات إذن؟

نحن نقترح إنشاء بنك للاستثمار في التعليم بالتعاون بين الشراكة العالمية للتعليم والبنوك الاستثمارية الدولية الكبرى، وتمويله جزئياً من خلال عائدات ضريبة تفرض على المعاملات المالية، كتلك التي اقتُرِحَت للاتحاد الأوروبي.

والواقع أن ضريبة المعاملات المالية هي الأنسب لمثل هذا المشروع لسببين. فأولا، تعد الضريبة ذاتها نتيجة ــ وكما قد يقول البعض عقابا ــ للإبداع المالي "الخبيث" الذي جلب الخراب على الاقتصاد العالمي في عام 2008، والذي كان أفقر الناس في العالم هم الأشد تضرراً منه. ويبدو من الإنصاف والعدل الآن أن نفرض ضريبة على القطاع المالي من أجل تغذية الإبداع "الطيب" الذي يمول البنية الأساسية الاجتماعية مثل التعليم.

وثانيا، سوف يكون للبنك الاستثماري في مجال التعليم أعظم الأثر في استغلال أصول جديدة، والاستفادة من رأس المال، وخلق المزيد من الفرص. ففي البلدان النامية وحدها تحتفظ صناديق المعاشات، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار المشترك بأصول تتجاوز قيمتها 6 تريليون دولار أميركي، وتنمو هذه الأصول بمعدل سنوي يبلغ 15%. فلماذا لا يتم تخصيص بعض هذه الأموال للتعليم؟

برغم صعود التعليم الخاص في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض، فإن فرص الاستثمار في النماذج المشتركة بين القطاعين العام والخاص والتعليم الخاص تظل محدودة. وحاليا، هناك فرص قليلة واضحة للمستثمرين، وخاصة من حيث حجم ونطاق المعاملات.

وفي كل البلدان تقريبا، لا تزال الدولة تحمل على كاهلها عبء تمويل التعليم. والآن نشهد بعض جهود التمويل الإبداعي للتعليم، مثل سندات الأثر الاجتماعي التي تم إصدارها مؤخراً لتمويل التعليم في ولاية راجاستان في الهند؛ ولكن ترقية وتوسيع نطاق مثل هذه الآليات يتطلب المزيد من القدرة المؤسسية وإيجاد سوق أكبر وأكثر سيولة. ومن الممكن أن يلعب بنك الاستثمار في التعليم دوراً بالغ الأهمية في تحفيز كلا الأمرين.

والواقع أن المؤسسة التي نتصورها لابد أن تكون منظمة قائمة بذاتها وتعمل كبنك استثمار مسجل وخاضع لمتطلبات رأس المال والتنظيم والتشريع وغير ذلك من المتطلبات. ولابد أن تشتمل أنشطته على جمع رأس المال (الأسهم والديون) للتعليم العالمي؛ وتوفير خدمات الاستثمار المصرفي للحكومات والشركات والهيئات المتعددة الأطراف بالتعاون مع البنوك المحلية؛ وتقديم النصيحة والخدمات الاستشارية للشراكات بين القطاعين العام والخاص، وعمليات الخصخصة وإلغاء المركزية والقروض ومفاوضات التمويل الميسر.

وينبغي لهذا البنك أن يذهب إلى أبعد من ذلك، فيساعد في إسداء المشورة بشأن الإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تحسين وتنمية قطاع التعليم. وسوف يشرف أيضاً على عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع التعليم، ويؤسس صناديق خاصة به للأسهم الخاصة ورأسمال المشاريع للاستثمار في التعليم، وأن يعمل كصندوق للصناديق.

ويكمن أحد أهم أدوار بنك الاستثمار في التعليم في تحويل الأفرع المتفرقة من البحوث والأفكار المرتبطة بتمويل التعليم العالمي إلى معاملات فعلية. وهناك في واقع الأمر هناك إمكانية كبيرة لتدفق المعاملات على المحافظ الاستثمارية التي تبحث عن فرص الاستثمار في توفير البنية الأساسية ورأس المال البشري والخدمات والتكنولوجيات اللازمة للتعليم.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن ضمان التعليم العالي الجودة، وخاصة بالنسبة لأشد الأطفال فقراً على كوكبنا مسألة عدل وإنصاف. ولكن الإبداع في تمويل التعليم المستدام متأخر كثيراً في حين تتزايد الاستثمارات في غير ذلك من أشكال البنية الأساسية الاجتماعية. ولكن برغم التحديات الكبيرة، فهناك خيارات معقولة وممكنة لتنمية الآليات اللازمة لتوليد التمويل للتعليم وضمان القدرة على الحصول على فرص التعليم التي يستحقها كل أطفال العالم. وبنك الاستثمار في التعليم هو على وجه التحديد المكان المناسب للانطلاق على الطريق نحو تحقيق هذه الغاية.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali