0

السلام أم السُم؟

حيفا ـ خلافاً لآمال العديد من الناس، فإن نهاية الحرب العالمية الثانية، والصدمة التي أحدثتها الفظائع التي ارتكبها النازيون، لم تكن تعني نهاية الحروب والإبادة الجماعية. بل إن العقود التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية كانت ذاخرة بالصراعات الدموية التي حصدت أرواح مجموعات سكانية بأكملها. ولنتذكر معاً الحرب الأهلية في أنجولا، والمذبحة التي ارتكبها الخمير الحُمر وراح ضحيتها الملايين من أهل كمبوديا، والحروب القَبَلية في رواندا، وتفكك يوغوسلافيا الدموي، وإبادة المسيحيين في جنوب السودان. ولا ينبغي لنا أن ننسى الجرائم الستالينية التي ارتكبت في حق شعوب الإمبراطورية السوفييتية السابقة.

ولكن هناك سِمة فريدة تميز الهولوكوست (المحرقة النازية) عن غيرها من الفظائع، حتى أن الأمم المتحدة كرست يوماً خاصاً لإحياء ذكراها. والفارق لا يكمن فقط في العدد الهائل من الضحايا والوحشية التي ارتكبت بها المحرقة، بل ويكمن أيضاً في غياب الدوافع المعتادة التي قد تحرك جرائم الإبادة الجماعية وغيرها من المذابح.

إن النازيين لم يقتلوا اليهود لأنهم كانوا يريدون أرضهم ـ فلم يكن لليهود أرض؛ أو لأن اليهود كانوا أتباعاً لعقيدة دينية منافسة ـ فالنازيون وأتباعهم كانوا ملحدين وكانوا يعادون كل الأديان. ولم يقتل النازيون اليهود بسبب خلافات مذهبية أو إيديولوجية ـ فاليهود لم يتبنوا إيديولوجية "يهودية" مميزة. ولم يقتل النازيون اليهود طمعاً في الاستيلاء على ممتلكاتهم ـ فأغلب اليهود كانوا من الفقراء، أما أولئك الذين كانوا يمتلكون أي شيء فلعلهم كانوا يتنازلون عنه في مقابل الإفلات بأرواحهم.

كان النازيون ينظرون إلى اليهود وكأنهم سلالة من "الجراثيم"، ولهذا السبب كانوا يريدون تدميرهم بذلك القدر الفظيع من الوحشية. لقد وُلِدَت المحرقة عن آلية سخيفة ربطت بين اليهود وبين تهديد فطري مختلق، ولقد مهد ذلك الربط لنشوء نوع من الكراهية المختلة الحارقة. ولم تتبدد هذه الكراهية بزوال النازية، بل ما زالت بعد مرور 65 عاماً منذ تحرير معسكر أوشفيتز تطل علينا بتجلياتها المروعة.