0

الأحزاب والزعامات الشعوبية

إن وقتنا هذا ليس بالوقت الطيب بالنسبة للأحزاب السياسية، وبصورة خاصة تلك الأحزاب ذات التوجهات التقليدية. لقد انقضى الوقت الذي كان فيه المرء في ظل الأنظمة الديمقراطية القديمة يستطيع أن يضمن هيمنة حزبين رئيسيين ـ أحدهما ديمقراطي اجتماعي، والثاني أقرب إلى اليمين منه إلى الوسط ـ على المشهد السياسي.

أما في الأنظمة الديمقراطية الناشئة في عالم ما بعد الشيوعية، فلم يكن لمثل هذا التواجد الحزبي الثنائي وجود على الإطلاق. فاليوم نادراً حتى ما يأمل أكبر حزبين في حصد ثلثي أصوات الناخبين مجتمعين، وكثيراً ما يحتاج الحزبان إلى تشكيل "ائتلاف أكبر". أما بقية الأصوات فإنها تتوزع على أكثر من جهة ـ ما لم تنشأ قوة سياسة تستطيع اختراق بنية الحزب القديم عن طريق إثارة النزعة القومية الشعبية أو المشاعر الاشتراكية، أو تركيبة من الاثنين.

ويعكس هذا الانحدار الذي تشهده الأحزاب انحداراً طبقياً. فقد ولت طبقة البروليتاريا القديمة الكادحة وتلتها الطبقة البرجوازية القديمة. وبدلاً منهما أصبحنا نرى الآن ما يُطلق عليه أحياناً "مجتمع الطبقة المتوسطة المستقرة"، ولو أنه مجتمع يشتمل على نقيضين: أهل النخبة من فاحشي الثراء عند أحد الطرفين، والمحرومين عند الطرف الآخر.

والحقيقة أن البنية الأساسية للمجتمع أصبحت مهزوزة وغير مستقرة. فلا وجود للجماعات التي يمكن أن تنبني عليها تنظيمات دائمة. وهو الأمر الذي يعني على نحو أو آخر أن الناس أصبحوا بلا مأوى على الصعيد الاجتماعي، وأن مصالحهم أصبحت تتبدل وتتغير بتغير الظروف. كما يعني هذا أيضاً أنهم ما عاد بوسعهم أن يجدوا في الأحزاب بيتاً سياسياً يأوون إليه، لكنهم يتفاعلون طبقاً للمواقف، والأمزجة النفسية الغامضة، وفي المقام الأول طبقاً للمشاعر، التي هي في أغلب الأحوال مشاعر استياء وغضب.