Universal Images Group/Getty Images

أسرى الألم

برنستون - لقد حكمت محكمة مصرية في الشهر الماضي على لورا بلامر و هي عاملة بريطانية بأحد المتاجر و تبلغ من العمر 33 عاماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة تهريب 320 جرعه من الترامادول إلى البلاد . إن مادة الترامادول هي مادة أفيونية تعطى بوصفة طبية وهي متاحة في المملكة المتحدة و تستخدم لتخفيف الآلام و لكن الترامادول محظور في مصر بسبب سوء إستخدامه على نطاق واسع و قالت بلامر أنها كانت تريد أخذ الدواء إلى صديقها المصري الذي يعاني من آلام مزمنة ولم تكن تعرف أنها تخالف القانون المصري.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لقد ضجت وسائل الإعلام البريطانية بالكثير من القصص المتعاطفة مع بلامر على الرغم من أن بلامر كانت تحمل كمية تزيد عن الكمية التي يمكن لطبيب بريطاني أن يصفها و لكن بغض النظر عن الصح أو الخطأ فيما يتعلق بإدانة بلامر والحكم عليها، فإن القضية تسلط الضوء على مسألة ذات تداعيات أوسع نطاقاً.

لقد أصدرت مفوضية المجلة الطبية ذا لانسيت في اكتوبر الماضي تقرير من 64 صفحه مثير للإعجاب عن الرعاية التلطيفية وتخفيف الآلام تجادل فيه بأن تخفيف الألم الشديد هو "صحة عالمية وحتمي من اجل تحقيق المساواه" . إن المفوضيه ليست الأولى التي تقدم مثل هذا الإدعاء ولكن تقريرها يجمع أدله كثيره لإثبات خطورة المشكلة حيث يموت كل عام 25.5 مليون شخص وهم يعانون من الآلآم بسبب نقص المورفين أو المسكنات القوية المماثلة و يحصل 14٪ فقط على الرعاية التلطيفيه من بين 40 ملیون شخص یحتاجون إليها.

يبدأ التقرير بما ذكره أحد الأطباء عن رجل يعاني من ألم شديد بسبب سرطان الرئة وعندما أعطاه الطبيب المورفين، فوجئ بالفرق الذي أحدثه ولكن عندما عاد المريض في الشهر التالي، كانت خدمة الرعاية التلطيفية قد نفدت لديها أقراص المورفين وقال الرجل بإنه سوف يعود في الأسبوع التالي ومعه حبل  إذا لم يتمكن من الحصول على أقراص المورفين وقال بأنه سوف يشنق نفسه من الشجرة المطلة على نافذة العيادة وعلق الطبيب قائلاً: "أعتقد أنه يعني ما قاله."

إن مواطني البلدان الغنية معتادون على سماع التصريحات بأن من السهل جداً الحصول على المواد الأفيونية ففي الواقع، ووفقاً للبيانات الصادرة عن الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات ومنظمة الصحة العالمية، فإن إمكانية الحصول على هذه العقاقير غير متكافئة بشكل صادم.

وفي الولايات المتحدة، إن كمية المواد الأفيونية المتاحة - أي المخدرات ذات التأثيرات المورفينية على الألم - أكثر بثلاثة أضعاف من ما يحتاجه المرضى من الرعاية التلطيفيه وفي الهند – البلد الذي ينتمي اليه الرجل الذي كان يهدد بشنق نفسه –  فإن كمية المواد الأفيونية المتاحة هي 4٪ فقط من الكمية المطلوبة أما في نيجيريا، فإنها 0.2٪ فقط من الكمية المطلوبة و يعاني الناس في الولايات المتحدة من الإفراط في وصف المواد الأفيونية في حين أن الناس في البلدان النامية غالباً ما يعانون بسبب وصف المواد الأفيونية بشكل محدود.

وعلى الرغم من أن الفقراء هم الذين يفتقرون إلى إمكانية الحصول على المواد الأفيونية عموماً، فإن المشكلة الرئيسية هي ليست، للمرة الأولى، التكلفة حيث تكلف الجرعات التي تصرف فوراً و المورفين الغير محمي ببراءات فقط بضعة سنتات لكل منهما وتقول مفوضية لانسيت أن "الحزمه الأساسية" من الأدوية سوف تكلف البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى 0.78 دولار فقط للفرد سنوياً وسوف تبلغ التكلفة الإجمالية لإغلاق "فجوة الألم" وتوفير جميع المواد الأفيونية الضرورية 145 مليون دولار في السنة بأقل أسعار التجزئة ( إن الأفيونات غالباً ما تكون أكثر تكلفة بالنسبة للبلدان الفقيرة من البلدان الأكثر ثراء مما ينطوي على إنعدام للعداله) وفي سياق الإنفاق العالمي على الصحة، فإن هذا يعتبر مبلغ زهيد.

إن الناس يعانون لأن تخفيف الألم لا يعد أولوية للسياسة العامة و هناك ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذا. أولاً، تركز الأدوية بشكل أكبر على إبقاء الناس على قيد الحياة  بدلاً من الحفاظ على نوعية حياتهم والمرضى الذين يتعذبون لبضعة أشهر في نهاية حياتهم هم عادة ليسوا في وضع جيد يسمح لهم بالمطالبة بمعاملة أفضل.

ثالثاً وربما الأهم و هو رهاب الأفيون حيث أن هناك خوف في غير محله من أن السماح باستخدام المواد الإفيونيه في المستشفيات قد يؤجج الإدمان والجريمة في المجتمع مما أدى إلى قيود صارمة على إستخدامها والأطباء ليسوا مدربين على توفيرها عند الحاجة إليها.

وفي حين أن المواد الأفيونية يمكن أن تكون ضارة و تؤدي إلى الادمان، كما تظهر الأزمة الحالية في أمريكا فإن حقيقة أن شيئا ما يمكن أن يكون خطراً ليس سبباً كافياً لفرض قيود صارمة على إستخدامه الطبي وعادة ما يتم تبرير المخاطر عندما تفوق الفوائد المتوقعة بوضوح الأضرار المتوقعة. يتبنى صناع السياسات في العالم النامي خياراً لفرض ما تسميه منظمة الصحة العالمية "اللوائح التقييديه المفرطه" على المورفين وغيره من الأدوية التلطيفيه الأساسية علما أن عدم القدره على الوصول لتلك الأدويه ليس مبررا من الناحيه الطبيه أو الأخلاقيه.

إن تصميم نظام يتيح الوصول الكافي إلى المورفين دون تشجيع الإفراط في وصفه أو تسريب المخدرات إلى السوق السوداء يعد أمراً صعباً ولكنه ليس مستحيلاً وتلفت مفوضية المجلة الطبية لانسيت الإنتباه إلى ولاية كيرالا الهندية حيث أن الرعاية التلطيفية المجتمعية هناك قائمه على أكتاف المتطوعين المدربين المدعومين من خلال التعاون الدولي مع منظمة الصحة العالمية والباحثين الجامعيين والمنظمات غير الحكومية و ليس هناك حافز على الإفراط في وصف المورفين وليس هناك دليل على تحويل المواد الأفيونية.

وقالت المفوضيه أن هناك نموذج آخر جدير بالدراسة وهو موجود في أوغندا حيث توفر دار للمصابين بأمراض مستعصيه تديرها أحد المنظمات غير الحكومية  المورفين الفموي لنظام الرعاية الصحية العامة الوطني.

إن تهريب لورا بلامر كان حماقة بلا شك كما إن تجربتها في سجن مصري ستكون مأساة شخصية ولكن إذا كانت قصتها صحيحة فهي أيضاً ضحية للقيود المفروضة بشكل مفرط على المواد الأفيونية التي منعت صديقها من الحصول على الترامادول بشكل قانوني.

وبالتالي، تبرز قضية بلامر سوء الحظ على نطاق أوسع أي أن الكثير من مواطني البلدان النامية يحرمون من تخفيف الآلام بشكل فعال من قبل الحكومات الواقعه في رهاب الأفيون و هذه ليست مجرد حماقة على حد تعبير مفوضية  لانسيت بل هي أيضاً "فشل طبي وصحي عام وأخلاقي وإستخفاف بالعدالة."

http://prosyn.org/SfwYQPR/ar;