4

تكنولوجيات موفرة للوظائف

سان فرانسيسكو ــ إننا نعيش عصراً من الارتياع والتشوش إزاء التأثيرات القاتلة لفرص العمل الناجمة عن انتشار التشغيل الآلي، والعنوانين الرئيسية الكئيبة التي تحذر من أن صعود الروبوتات من شأنه أن يجعل فئات مهنية بأكملها عتيقة. بيد أن هذه الجبرية القدرية تفترض أننا عاجزون عن تسخير ما ننتجه لتحسين حياتنا ــ بل ووظائفنا.

الواقع أن الأدلة التي تؤكد قدرة التكنولوجيا على المساعدة في تبديد مخاوفنا في ما يتصل بالوظائف بوسعنا أن نجدها في منصات المواهب على الإنترنت. فقد عملت المنصات الرقمية بالفعل على تحويل أجزاء عديدة من الاقتصاد. فالأسواق التي بنتها شركات مثل أمازون وعلي بابا على الإنترنت، على سبيل المثال، أعادت تشكيل قطاع البيع بالتجزئة، جزئياً عن طريق تغيير الطبيعة المحلية لأسواق التجزئة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وتوظف منصات المواهب على الإنترنت نهجاً مماثلاً في التعامل مع عالم العمل ــ وبتأثير مماثل. فمن خلال خلق أسواق عمل إقليمية، ووطنية، بل وحتى عالمية، سمحت هذه المنصات لأرباب العمل بالاستفادة من مجمعات أوسع من المواهب وربط الباحثين عن عمل بعالَم أوسع من الفرص. وبهذه الطريقة، عملت على تحويل البحث المعتاد عن الوظائف، وهي الآن تقترب من الكتلة الحرجة اللازمة لتحريك أرقام العمالة.

وتتخذ مثل هذه المنصات أشكالاً عديدة. فالمواقع مثل LinkedIn، وMonster.com، وIndeed.com ــ التي توفق بين الأفراد وأرباب العمل الساعين إلى شغل وظائف تقليدية ــ أشركت بالفعل مئات الملايين من المستخدمين الأفراد والعديد من الشركات الرائدة على مستوى العالم، وهي تعمل على توليد القسم الأعظم من التأثير الاقتصادي. ولكن هناك أيضاً الأسواق الرقمية لما يسمى "اقتصاد غير المتفرغين"، والذي يربط بين من يعملون لحسابهم الخاص والمهام الوظيفية، من تطوير الشبكات إلى قيادة سيارات الركاب، وبالتالي الحد من العمالة ورؤوس الأموال المستخدمة بشكل منقوص.

إن المنصات الرقمية تجعل الأسواق أكثر شفافية وكفاءة. وهو على وجه التحديد ذلك النوع من التغير المفاجئ الذي تحتاج إليه أسواق العمل اليوم. ففي العديد ن البلدان، قد تبلغ نسبة العاطلين عن العمل، أو غير الناشطين، أو العاملين بدوام جزئي بين السكان في سن العمل من 30% إلى 45%. وفي الوقت نفسه تشكو الشركات من عدم قدرتها على شغل المناصب المفتوحة في قطاعات تتراوح من التكنولوجيا إلى الرعاية الصحية. وأولئك الذين يعملون كثيراً ما يجدون أنفسهم عالقين في أدوار لا تستغل كامل إمكاناتهم ومهاراتهم. وتمثل هذه القضايا إهداراً هائلاً للإمكانات البشرية والاقتصادية.

تنبع المشاكل من حقيقة مفادها أن أسواق العمل اليوم تعطي إشارات فظة وغير مكتملة ومقيدة جغرافياً بشأن المهارات التي يزيد عليها الطلب حقا. ونتيجة لهذا فإن وضع خريطة للتعليم، والتدريب، والمسار الوظيفي بات يتطلب قدراً كبيراً من التخمين. وهذا لا يحلق الضرر بالعالمين فحسب، بل ويعني أيضاً أن احتياجات الشركات قد لا تلبى.

ومن الممكن أن تعمل منصات المواهب على الإنترنت على تعزيز كفاءة سوق العمل من خلال تجميع البيانات عن المرشحين وفرص العمل في منطقة جغرافية أوسع، فتعمل بذلك على إرشاد وتوجيه العاملين نحو الوظائف المتاحة اليوم، فضلاً عن الإجراءات التي يمكنهم اتخاذها للحصول على عمل أكثر إشباعا. وقد تشكل هذه الديناميكية أهمية خاصة في أوروبا، حيث تختلف آفاق العمل جذرياً عبر البلدان (وعبر المناطق داخل البلدان)، وحيث يشعر كثيرون بأنهم واقعين في فخ الاقتصادات المحلية الراكدة. فليس من المحتمل أن ينتقل شخص ما من أسبانيا إلى سويسرا، حتى ولو كان ذلك لشغل وظيفة أحلامه؛ ولكن نفس الشخص ربما يقبل وظيفة أفضل على بُعد بضع مئات من الأميال.

وعلاوة على ذلك، من خلال تسهيل التوافيق الأسرع، تعمل منصات المواهب على الإنترنت على تقصير مدة البطالة، في حين من الممكن أن يساعد خلق فرص مرنة بدوام جزئي في اجتذاب المزيد من العمال غير الناشطين إلى قوة العمل، ويساعد العاملين بدوام جزئي على إضافة ساعات إضافية إلى ساعات عملهم. وفي الوقت نفسه، من خلال الربط بين الشخص المناسب والدور المناسب، تستطيع هذه المنصات أن تعمل على تعزيز الإنتاجية.

باختصار، برغم أن منصات المواهب على الإنترنت غير قادرة على تعزيز الطلب الضعيف في الاقتصادات المتقدمة، أو حل قضايا التنمية المعقدة في العالم الناشئ، أو خلق فرص عمل أفضل في مختلف القطاعات، فإنها قادرة على ترك تأثير كبير على قضايا ربما تبدو مستعصية على الحل مثل البطالة، والبطالة المقنعة، وتدنى مستويات الرضا الوظيفي. ووفقاً لدراسة بحثية حديثة أجراها معهد ماكينزي العالمي، فهي قادرة على زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 2.7 تريليون دولار أميركي سنوياً بحلول عام 2025؛ وهذا يعادل إضافة مملكة متحدة أخرى إلى الاقتصاد العالمي.

يرجع جزء كبير من التأثير الذي تخلفه منصات المواهب على الإنترنت إلى استخدام التكنولوجيا لسد فجوات عدم تطابق المعلومات التي تعيق أداء سوق العمل. في الماضي، كان من الممكن سد هذه الفجوات جزئياً فقط من خلال إشارات تحمل معلومات مفيدة. ولكن منصات المواهب على الإنترنت تعمل على تجميع كميات أكبر كثيراً من المعلومات بكفاءة، وزيادة "كثافة الإشارة".

وبالاستعانة بالبيانات الموسعة تستطيع الشركات أن تستخدم التحليلات التنبؤية لتحديد أفضل المشرحين لدور بعينه. ويستطيع الباحثون عن عمل أن يزيدوا من مؤهلاتهم التعليمية وتاريخهم الوظيفي باستخدام عينات من عملهم ومصادقات من زملائهم في العمل والعملاء، وبالتالي نقل قيمتهم المحتملة لأرباب العمل على نحو أكثر فعالية.

وعلاوة على ذلك، تعمل المنصات التي تجمع مراجعات مجهولة الاسم من موظفين حاليين وسابقين على إعطاء الأفراد فكرة أفضل عن الكيفية التي قد يكون عليها العمل لصالح شركة بعينها، فضلاً عن الراتب الذي يمكنهم أو ينبغي لهم قبوله. ومع تسجيل مستويات رضا الموظفين عن وظائفهم على نطاق أوسع، تواجه الشركات ضغوطاً تحملها على ضمان ظروف العمل الجيدة من أجل توظيف المواهب التي تحتاج إليها.

حتى الآن كان أكبر المهنيون المتعلمون الماهرون في الاقتصادات المتقدمة هم الرابح الأكبر من هذا التحول. الواقع أن المهندسين ومطوري البرامج الأكثر رواجاً ربما لا يحتاجون إلى التقدم لطلب وظيفة على الإطلاق؛ ذلك أن الشركات تسعى على نحو متزايد الآن إلى تجنيد المرشحين "السلبيين"، وهو ما يضطر أرباب العمل في بعض الأحيان إلى زيادة رواتب العاملين الذين يريدون الاحتفاظ بهم.

ولكن الأمر لا يخلو من الأنباء غير الطيبة. فالآن بعد أن أصبح لدى أرباب العمل أدوات جديدة للتوظيف والتقييم، ربما يجدون أن إحلال العمال من ذوي المهارات المنخفضة أسهل، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التفاوت بين الدخول في الأمد القريب. ولكن في الأمد الأبعد، يمكن تصميم نظام عامل أفضل لرفع مستوى المهارات ــ وهو النظام الذي من الممكن أن يصبح جزءاً لا يتجزأ من عملية تهيل الترقي.

وهناك فائدة أخرى في هذا الصدد. فمع اكتساب النتائج المهنية المرتبطة بمؤسسات وبرامج أكاديمية بعينها المزيد من الشفافية، يصبح مقدمو التعليم والتدريب أكثر عُرضة للمساءلة عن إعداد طلابهم لحياة مزدهرة ومنتجة.

Fake news or real views Learn More

من المتوقع أن تصل الاشتراكات العالمية في الهواتف الذكية نحو 8 مليار مشترك بحلول عام 2025، وهذا يعني أن منصات المواهب على الإنترنت لديها حيز هائل يسمح لها بالامتداد إلى مناطق وقطاعات جديدة. ومع استمرار هذه التكنولوجيات في التطور، ربما تعمل على تغيير عالَم العمل بطرق لا يمكننها حتى تصورها اليوم. ويبدو أن هناك مجالاً في سوق العمل لقليل من التفاؤل، رغم كل شيء.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel