8

هل يمكن للسياسيين أن يكتبوا التاريخ؟

ستانفورد - "اٍن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يحب القوافي"، على حد قول الأديب مارك توين.  خلال الأجيال السابقة، قام القادة السياسيون باعتماد هذه الملاحظة، محاولين تشكيل إرثهم بالافتخار بالأعمال التي أنجزوها وبإلقاء اللوم على أسلافهم أو خصومهم السياسيين بالنسبة للأعمال التي فشلت.

ولا يزال العديد من السياسيين يتلاعبون بالحقائق حتى بعد تركهم  لمناصبهم. قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل إن "التاريخ سوف يكون لطيفا معي، لأنني أنوي كتابته". وبالفعل، فاٍن مجلداته العديدة عن الحرب العالمية الثانية تحتوي ليس فقط على العديد من العبارات التي لا تنسى ( "أعظم اٍنجازاتهم وما يدين به الكثيرون لعدد قليل من الناس ")؛ بل تتضمن أيضا مبررات تدخلاته خلال الحرب.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

قد تكون كتابات تشرشل انحيازية، لكنها تقدم معلومات وتفاصيل لا يمكن الحصول عليها بسهولة من المذكرات والملخصات، والتي عادة ما تكون غير مكتملة وذات أسلوب حرس. كما يعرف المؤرخون، هناك ضغوط كبيرة لذكر الماضي كما يريد المنتصرون. وكما قال نابليون بونابرت ذات مرة "التاريخ هو مجموعة من الأكاذيب المتفق عليها".

اليوم، جاء دور الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليحاول تحديد إرثه، فقد فقدت رئاسته شعبيتها والاٍهتمام تحول إلى انتخاب خليفته. وقد كان منشغلا بالفعل. وخلال زيارة أوباما الأخيرة إلى اليابان للمشاركة في قمة G7، على سبيل المثال، أضحى أول رئيس أمريكي يزور هيروشيما، التي دمرت في عام 1945 من قبل هجوم نووي أمر به الرئيس هاري ترومان لتجنب غزو بري وتعجيل نهاية الحرب العالمية الثانية.

كان أوباما يدافع عن إنجازاته الاٍقتصادية، مدعيا أنه منع حدوث كساد كبير آخر. وقال إن قانون الاٍنتعاش الخاص به منع معدل البطالة من الارتفاع إلى 30٪ - خمس نقاط أعلى عما كان عليه في ذروة الكساد المهول.

وهذا هراء بديهي. فقد قدر مستشارو أوباما الخاصين أن حزمة تحفيزه حالت دون ارتفاع معدل البطالة بمقدار نقطة مئوية واحدة في ذروة البطالة، وليس زيادة 20 نقطة مئوية كما يدعي الرئيس.

أوباما ليس الزعيم السياسي الأول الذي يشارك في هذا الغلو، لكن حتى في عصر الإنترنت، هذا أمر مبالغ فيه. فكثيرا ما يدعي البعض أن جميع الاٍقتصاديين يتفقون على أن سياساته نجحت. والحقيقة أنه في حين يتفق البعض مع تقييمات مستشاريه، البعض الآخر يعتقد أن هذا التحفيز كان له تأثير ضئيل أو سلبي.

ومن المثير للاٍهتمام أن يشعر أوباما بالحاجة لتمجيد أفعاله مع اقتراب نهاية ولايته. وسيكون الأمر أكثر تشويقا عندما نرى كيف سيستخدم ذكاءه وبلاغته وتجربته بعد تقاعده. فالرئيسان اللذان عملت معهما بشكل وثيق، رونالد ريغان وجورج  بوش، سمحا للآخرين بالكلام والكتابة. وأبديا الرضا عما أنجزاه وما كان عليهما تركه غير مكتمل، وارتفعت مكانتهما وشعبيتهما مع مرور الوقت.

فالتقييم الفوري للقادة السياسيين عادة ما يتم تعديله، وغالبا من قبل الأجيال اللاحقة. ولم يسبق للمؤرخين والصحفيين الثناء على إنجازات بعض الرؤساء مثلما فعلوا اتجاه فرانكلين ديلانو روزفلت. أنا أعتبر روزفلت أعظم رئيس في القرن العشرين بسبب قيادته خلال الحرب العالمية الثانية. لكن معظم الاٍقتصاديين يرفضون الآن الاٍدعاءات المبكرة التي توحي أن اتفاقه الجديد أنهى الكساد العظيم.

في الواقع، في عام 1938، ارتفعت نسبة البطالة إلى أكثر من 17٪.  وكان صديق روزفلت المقرب، ووزير خزينة الدولة هنري مورغنثاو جر، قلقا لأنه "بعد ثماني سنوات ... ستكون لدينا نفس نسبة البطالة كما كان الحال عندما بدأنا ... وذلك تمهيد لديون هائلة" ويعتقد بعض الاٍقتصاديين أن برامج روزفلت، عن طريق دعم رفع الأسعار والأجور، أعطت نتائج عكسية، كما حالت دون تصفية وإصلاح الأسواق. ويعتقد معظم المؤرخين الاٍقتصاديين الآن أن التغير الكبير في الحرب العالمية الثانية كان سببا في إنهاء الكساد الاقتصادي.

على النقيض من روزفلت، كان يٌعتبر ترومان في البداية كرئيس متوسط، صاحب دكان الخردوات من ميسوري الذي أصبح فجأة نائب الرئيس والذي خلف روزفلت بعد وفاته. وكاد ترومان أن يفقد الاٍنتخابات عام 1948 أمام المرشح الجمهوري توماس ديوي. وفي عام 1953، عندما خلفه دوايت ايزنهاور، قليل هم الذين توقعوا أنه في وقت لاحق سيدرج في صفوف رؤساء شبه عظماء.  

وبعد ذلك كان ترومان الذي أنهى الحرب العالمية الثانية وأشرف على خلق الأمن العالمي بعد الحرب العالمية الثانية والهيكل الاٍقتصادي: خطة مارشال وحلف شمال الأطلسي، والاٍتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وقد سمحت سياساته للمجتمعات التي دمرتها الحرب بإعادة البناء وتحويل ألمانيا واليابان المهزومين إلى حلفاء أقوياء، على النقيض من الفوضى التي ارتكبت في نهاية الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة فرساي. وعلاوة على ذلك، اتخذت تحت رئاسة ترومان أول خطوة كبيرة في ثورة الحقوق المدنية في أمريكا، وذلك بفرض إلغاء التمييز العنصري في الجيش.

تقول الأسطورة إنه بعد فترة وجيزة من قيام الرئيس ريتشارد نيكسون بإعادة تأسيس العلاقات مع الصين، سٌئل رئيس مجلس الدولة تشو اٍنلاي عن رأيه في الثورة الفرنسية، فأجاب: "من المبكر جدا الإدلاء بأي رأي". وبالمثل، فمن المحتمل أنه من السابق لأوانه تقييم عادل لقادة مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. في حين أنه كانت لديهما آفاق واعدة، واجه كل منهما تحديا كبيرا: الهجرة من الشرق الأوسط بالنسبة لميركل والعلاقة مع أوروبا بالنسبة لكاميرون.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

أحيانا نجد أن هناك صلة واضحة بين سياسات القائد وحالة البلاد خلال توليه أو توليها القيادة. وأنا لا أختلف مع المؤرخ الذي قال إن فنزويلا تراجعت بسبب  الاٍشتراكية الشعبوية والأمية الاٍقتصادية للرئيس هوغو شافيز.

لكن في حالة القادة المهمين الآخرين - قائد الصين شي جين بينغ، نارندرا مودي قائد الهند، موريسيو ماكري في الأرجنتين، واٍنريكي بينيا نييتو في المكسيك - لا نزال في الأيام الأولى. سوف سيقودون العديد من التحديات، وسيتم الحكم عليهم من خلال ما الإرث الذي سيتركونه لخلفائهم (وكيف سيتعامل خلفاؤهم معه). التاريخ متقلب، والمؤرخون الذين يكتبونه أكثر تقلبا.