29

روسيا والرؤية الأوراسية

نيويورك ــ كان الصراع المتصاعد في أوكرانيا بين الحكومة التي يدعمها الغرب والانفصاليين الذين تدعمهم روسيا سبباً في تركيز الاهتمام على سؤال أساسي: ما هي أهداف الكرملين البعيدة الأمد؟ برغم أن هدف الرئيس فلاديمير بوتن المباشر ربما كان محدوداً باستعادة السيطرة على شبه جزيرة القرم والإبقاء على بعض النفوذ على الشؤون الأوكرانية، فإن طموحه في الأمد الأبعد أكثر جرأة.

وليس من الصعب أن نستشف هذا الطموح. ففي ملاحظة شهيرة للرئيس بوتن ذكر أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان الكارثة الأعظم في القرن العشرين. وبالتالي فإن هدفه في الأمد البعيد كان إعادة بناء الاتحاد السوفييتي بصورة أو أخرى، ربما في هيئة اتحاد فوق وطني بين بلدان أعضاء مثل الاتحاد الأوروبي.

الواقع أن هذا الهدف ليس مستغربا: فسواء كانت روسيا في انحدار أو لم تكن فإنها كانت دوماً ترى نفسها بوصفها قوى عظمى ولابد أن تكون محاطة بدول عازلة. ففي عهد القياصرة، بسطت روسيا الإمبراطورية نفوذها بمرور الوقت. وفي عهد البلاشفة قامت روسيا ببناء الاتحاد السوفييتي ومجال النفوذ الذي شمل معظم أوروبا الوسطى والشرقية. والآن، في ظل نظام بوتن الذي لا يقل استبدادا، تخطط روسيا لبناء اتحاد أوراسي (أوروبي آسيوي) بمرور الوقت.

وفي حين لا يزال الاتحاد الأوراسي مجرد اتحاد جمركي، فإن تجربة الاتحاد الأوروبي تشير إلى أن منطقة التجارة الحرة الناجحة تقود بمرور الوقت إلى توسع التكامل الاقتصادي والنقدي، وفي نهاية المطاف التكامل السياسي. والهدف الذي تسعى روسيا إلى تحقيقه هنا ليس إنشاء اتفاقية أخرى أشبه باتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية؛ بل إنشاء اتحاد أشبه بالاتحاد الأوروبي، مع احتفاظ الكرملين بكل أدوات السلطة الحقيقية. وكانت الخطة واضحة: البدء باتحاد جمركي ــ بين روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان في مستهل الأمر ــ ثم إضافة أغلب الجمهوريات السوفييتية السابقة. والآن تستعد أرمينيا وقيرغيزستان للانضمام.