23

استراتيجية كوريا الشمالية الحقيقية

دنفر ــ كثيرا ما يصور المراقبون مساعي كوريا الشمالية لامتلاك الأسلحة النووية على أنها استجابة "منطقية" لضروراتها الاستراتيجية المتمثلة في حماية الأمن القومي وبقاء النظام. فهي محاطة في نهاية المطاف بدول أكبر منها، ومعادية لها كما تفترض، ولا يقف بجانبها حلفاء يمكنها أن تعتمد عليهم في الدفاع عنها. ومن المنطقي، من هذا المنظور، أن يكون كيم جونج أون حريصا على تجنب الخطأ الذي ارتكبه صدّام حسين زعيم العراق ومعمر القذافي زعيم ليبيا، فكل منهما كان ليظل على قيد الحياة وعلى رأس السلطة لو حصل على أسلحة نووية يمكن تسليمها إلى مقاصدها.

الواقع أن شهية كوريا الشمالية لاقتناء أسلحة نووية تمتد جذورها إلى العدوان وليس الحس البرجماتي العملي. فكوريا الشمالية لا تسعى إلى ما هو أقل من فصل الولايات المتحدة عن شريكتها كوريا الجنوبية ــ وهو الانقسام الذي من شأنه أن يتيح إعادة توحيد شطري شبه الجزيرة الكورية بشروط كيم. بعبارة أخرى، لا تريد كوريا الشمالية الدفاع عن نفسها فحسب؛ بل تريد تهيئة الظروف لعملية غزو من تدبيرها.

بطبيعة الحال، يقوم مثل هذا السيناريو على قدر عظيم من الخيال. ولكن لكي تكون كوريا شماليا اليوم لا يستلزم ذلك بالضرورة أن تقبل العالَم كما هو. فقد دأبت وسائل الدعاية الكورية الشمالية على ترديد وجهة النظر القائلة بأن شبه الجزيرة الكورية تتألف من شعب واحد، يشترك في لغة واحدة وثقافة واحدة، وغير قابل للتقسيم ــ إلا بفِعل غرباء مثل الولايات المتحدة. وبهذا المنطق، يحتاج الشمال إلى إيجاد وسيلة لتثبيط همم أولئك الغرباء ومنعهم من التدخل في شؤون شبه الجزيرة.

في الوقت الراهن، تعمل العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على أساس شيء أشبه بفقرة الدفاع الجماعي في إطار حلف شمال الأطلسي، أو المادة الخامسة: فأي اعتداء من جانب كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية سوف يواجَه من قِبَل قوات مشتركة من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وسوف يكون الهجوم المضاد حاسما، بما يضمن التدمير الكامل للنظام الكوري الشمالي.

ولكن إذا امتلكت كوريا الشمالية أسلحة نووية بعيدة المدى، فربما تكون قادرة على تغيير الحسابات الاستراتيجية، من خلال التهديد بشن هجوم نووي على البر الرئيسي للولايات المتحدة ردا على تدخل الولايات المتحدة في شبه الجزيرة الكورية. وربما تتدخل الولايات المتحدة على أية حال، فتشن هجوما مدمرا على كوريا الشمالية. ولكنها ربما تختار أيضا عدم المخاطرة بوقوع ضحايا على أراضيها.

إذا تهربت الولايات المتحدة من مسؤولياتها الدفاعية الجماعية، فسوف يظل لدى كوريا الجنوبية قدرا وفيرا من الموارد ضد جارتها الشمالية. ذلك أن قوات كوريا الجنوبية التقليدية أفضل تدريبا وتجهيزا ودافعا من نظيراتها الكورية الشمالية. ولكن من الصعب أن نجزم بما إذا كان الكوريون الشم��ليون يعرفون ذلك. ومثله كمثل العديد من الأنظمة الاستبدادية من قبله، ربما كان النظام الكوري الشمالي أول من يصدق دعاياته ــ أو في حالتنا هذه يصدق أنه قادر على إحراز النجاح ضد العدو الكوري الجنوبي الذي لا تدعمه القوة العسكرية الأميركية.

على أية حال، يبدو أن كوريا الشمالية ــ التي استثمرت بكثافة في قوات خاصة منتشرة على الخط الأمامي وغير ذلك من العناصر غير المتناظرة من عناصر الحرب المعاصرة ــ تعد العدة للهجوم، إذا تمكنت فقط من إبعاد الولايات المتحدة عن الطريق. وعلى هذه الخلفية، كانت الجهود الرامية إلى إعادة نظام كيم إلى طاولة المفاوضات ــ التي تقودها الصين إلى حد كبير ــ مضللة.

تهدف هذه المساعي إلى إقناع الكوريين الشماليين بتجميد كل الاختبارات الصاروخية والنووية، في مقابل تخفيض حجم المناورات المشتركة السنوية التي تقوم بها القوات الأميركية والكورية الجنوبية، وتأخيرها. ويقول أنصار هذا النهج المسمى "التجميد في مقابل التجميد" إن مثل هذه المقايضة عادلة: فمن غير الممكن أن نتوقع من كوريا الشمالية أن تعلق جهودها الرامية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية ما دامت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تواصلان التعاون العسكري العدائي، كما تفترض، في جوارها القريب.

بيد أن هذه الحجة تتناول الأمر بطريقة عكسية. فالأنشطة التي يمارسها الشمال هي التي تتسم بالعداء بطبيعتها في حقيقة الأمر، في حين يركز الجنوب، جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة، على الدفاع. والواقع أن التخطيط لمناورات الربيع المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية يستند دائما إلى فرضية مفادها أن كوريا الشمالية غزت الجنوب وليس العكس. وتدرك كوريا الشمالية هذه الحقيقة تمام الإدراك.

لكن كوريا الشمالية تدرك أيضا أن أي تحالف عسكري يصبح ضعيفا وفارغا من دون تدريبات عسكرية مشتركة. ففي عام 1939، على سبيل المثال، عندما غزت القوات الألمانية بولندا، أعلن البريطانيون والفرنسيون بموجب معاهدتهم مع بولندا الحرب على ألمانيا. ولكنهم في واقع الأمر لم يفعلوا إلا أقل القليل لحماية بولندا، التي أخضعتها ألمانيا سريعا. وإذا علقت الولايات المتحدة التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، فإن استعدادها أو قدرتها على الاستجابة للعدوان الكوري الشمالي في الجنوب ربما تأتي ضعيفة على نحو مماثل.

ويزداد إدراكنا لخطورة هذا السيناريو إذا وضعنا في الاعتبار أن تعليق التجارب الصاروخية والنووية ربما لا يُفضي حقا إلى إضعاف برنامج كوريا الشمالية النووي. ذلك أن هذه التجارب ليست سوى عنصر ضئيل في برنامج الأسلحة ــ وليس بالضرورة عنصرا أساسيا. ولا يوجد من الأدلة ما يشير إلى أن كوريا الشمالية قد تنهي فعليا مشاريع البحث والتطوير في مجال الأسلحة النووية.

الواقع أن الفكرة القائلة بأن كوريا الشمالية ستتخلى عن برنامج الأسلحة في مقابل الوعد بالأمن وبقاء النظام أُخضِعَت للاختبار وفشلت كلما جرى اختبارها. ففي سبتمبر/أيلول 2005، عَرَضَت خمس قوى عالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة، على كوريا الشمالية برنامجا نوويا مدنيا غير مقيد، ومساعدات في مجال الطاقة، ومعونات اقتصادية، فضلا عن الاعتراف الدبلوماسي، وأيضا الوعد بإنشاء آلية إقليمية لصيانة السلام والأمن في شمال شرق آسيا. كما شمل الاتفاق تعهد الولايات المتحدة بعدم مهاجمة كوريا الشمالية بأسلحة تقليدية أو نووية.

وكان كل المطلوب من كوريا الشمالية لتأمين هذه الفوائد هو التخلي عن برامج الأسلحة النووية والانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. ولكن الشمال لم يكن راغبا في السماح ببروتوكول ذي مصداقية للتحقق. وبدلا من ذلك، حاول الحد من عملية التحقق بحصرها في الأنشطة المعروفة بالفعل. وفي نهاية المطاف، انسحبت كوريا الشمالية من الاتفاق، بدلا من العمل لإيجاد طريق مقبولة إلى الأمام.

الحق أن إقامة حوار هادف وأكثر قوة بين الولايات المتحدة والصين حول كوريا الشمالية أمر أساسي لحل المشكلة الأمنية الأكثر إلحاحا في العالم. ولكن المناقشة لابد أن تركز على تدابير مباشرة لعرقلة وتقويض البرنامج النووي العدواني ــ لا أن تقدم المزيد من التنازلات التي لن تُفضي إلا إلى تعزيز قوة النظام المارق.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali